كيف تميّز بين العمق والعمق الزائف في الأنمي وتتجنّب مشاهدة عشرين حلقة من الهراء

4
غيلتي كراون اينوري

من المعروف جداً أن لكل عمل فنّي وجهان مختلفان، الأول يمكن رؤيته بسهولة عند النظر مباشرة للعمل، والآخر يحتاج لبعض التفكير والتمحيص وربما بعض القراءة المعمقة لفهم كل خفاياه. والأنميات أعمال فنيّة – بل للدقة؛ كتلة من الأعمال الفنّية المترابطة، بين الرسم والتحريك، والموسيقى والكتابة، وجودة الإخراج وتأدية الصوت. لذا من المنطقيّ جداً أن يكون للأنمي وجهان، الأول سطحي والآخر عميق يحتاج لبعض الدراسة.

الاستمتاع بالوجه الأول من الأنمي ليس أمراً سيئاً على الإطلاق، بل هو الشائع جداً بين محبي هذا الفن، ولكن محاولة فهم الفكرة العميقة والترميزات الموجودة في الانميات يحتاج مجهوداً أكبر بقليل، ويقدم مكافأة أكبر بكثير من تلك التي ستحصل عليها عند إنهائك لقصّة الأنمي السطحيّة. لذا من الجيد التفكير -ولو من حين للآخر- بالوجه العميق للأنمي، ومحاولة فهم الرسائل المضمّنة التي يحاول الكاتب وصنّاع العمل إيصالها للمشاهد.

قبل أن تبدأ نظريات المؤامرة بالانهمار، ويبدأ صراخ “الرسائل الماسونية المبطّنة” أنصحك بقراءة مقال سابق في المدونة بعنوان “هل الماسونية موجودة في صناعة الأنمي؟ هل الأنمي ماسوني” والعودة بعدها لتتابع قراءة هذا المقال بهدوء، بعيداً عن نظريات المؤامرة، فحديثنا سيطول عن الرسائل المبطنة.

ما هي الرسائل المبطّنة أصلاً وما هو “العمق” الذي أتحدث عنه؟

كما ذكرت سابقاً، الأنمي عمل فنّي أولاً وأخيراً، وبكونه عملاً فنّياً فلا بد أن يتضمن رسالة مبطّنة، سواء كان بقصد أم بغير قصد؛ وقد تتفاجئ أن الرسائل العميقة الموجودة في الأنمي في أغلبها غير مقصودة من الكاتب مباشرة، بل هي نتاج لما يعيشه من صراعات داخلية تنعكس بشكل مباشر على أسلوب كتابته وطريقة عرضه للشخصيات والأحداث.

الرسائل المبطّنة في أغلبها غير مقصودة من الكتاب، ولكن هذا لا يعني أن بعض الرسائل مقصودة تماماً وربما تكون الهدف من القصّة بأكملها. وهنا يقع الكاتب في مشكلة عادة؛ هل سيتحول ما يصنعه إلى كتلة من الهراء غير المترابط، أو سيكون عملاً فنياً لا يقدر بثمن.

أذكر هنا الكاتب، ولكن الأمر ينطبق على كل فرد من أفراد فريق العمل على الأنمي. يمكنك قياس بقية كلامي على كل نواحي الأنمي الأخرى – ولكن لنسهّل متابعة الأفكار القادمة سأركز على الجانب الكتابيّ والروائيّ في الأنمي، وكيف يعالج الرسائل العميقة عادة.

الرسائل المبطنة والعمق الذي يقدمه الأنمي لا يقتصر على عبارة أو تلميح هنا أو هناك، أو نقاش قصير عن معضلة أخلاقية ما، أو معالجة لقضية فلسفية بطريقة مختلفة عن المعتاد. الأمر ليس ببساطة “حوار” بين شخصيتين عن دمار البشرية بسبب الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا مثلاً، وليس ببساطة عبارة “عميقة” ترددها شخصية ما من بداية الأنمي لنهايته.

يمكن للرسالة المبطنة أن تكون عبارة عن قصة خيالية بالكامل تنعكس على الواقع بطريقة معينة. ربما تكون قصة واقعية بين شخصين في المدرسة الثانوية، ولكنها تعكس مشاكل عميقة في المجتمع. يمكن أن تكون الرسالة بسيطة جداً كأهمية الصداقة والصدق والأخوّة، أو معقدة كالشر والخير، والحسد والحقد، والحب والحياة، ومعنى الوجود، ومصدر الأخلاق.

لا يعني وجود رسائل معقّدة أن الرسائل البسيطة عديمة القيمة، فالمهم في النهاية الطريقة التي تصل فيها هذه الرسالة، وهل هي ملائمة لما يتم عرضه في الأنمي أصلاً أم مفروضة عليه فرضاً من الكاتب، وهل هي تقدّم إضافة حقيقيةً و”عمقاً” للأنمي أم تزيد الوضع سوءاً وتجعل الأنمي غير قابل للمشاهدة.

كيف تصنع العمق الزائف لأنمي لا يمتلك أي عمق فعليّ لقصته؟

من الصعب تحديد ما يجعل الأنمي “عميقاً” فعلاً، وأضع “عميقاً” بين علامتي تنصيص كون الكلمة بذاتها فضفاضة وأستخدمها هنا فقط للدلالة على الرسائل المبطّنة. ولكن من السهل معرفة محاولة لتزييف هذه الرسائل، أو فرضها على أنمي لا يمتلك أي عمق في قصته، ويحاول جاهداً أن يظهر بمظهر العميق ليقدم “روعة” إضافية لروعة الشخصيات الموجودة فيه.

المٌشعر الأول على فشل الأنمي في تقديم رسالته المبطّنة، هو محاولته جاهداً جعل هذه الرسالة “غير مبطّنة” وظاهرة قدر الإمكان، لدرجة تقديم الرسالة على طبق من فضة للمشاهد. المشكلة ليست في كون الرسالة المبطّنة مقصودة هنا وموضوعة بإرادة الكاتب الكاملة، وإنما بكونها غير مبطّنة فعلياً. وهذا يفقد الأنمي العمق الذي يحاول اكتسابه فوراً.

يمكنك ملاحظة هذا في أنميات مثل GATE مثلاً، الذي يحاول إيصال مجموعة من الرسائل “المبطّنة” ومنها “جيش الدفاع عن النفس الياباني جيش رائع ومذهل” ويفشل في هذا ليتحول إلى بروباغاندا إعلامية لجيش الدفاع عن النفس، السبب في هذا انتقال هذه الرسالة من كونها مبطّنة إلى تصريحات مباشرة في كثير من مراحل الأنمي.

هذا لا يعني أن أنمي GATE ليس ممتعاً، ولا يعني أنه لا يمتلك قصة فعلياً، أو رسائل أخرى يحاول إيصالها. ولكن تلك الرسالة تحديداً والتي كانت من الرسائل المحورية في الأنمي فشلت فشلاً ذريعاً وحولته إلى إعلان مفضوح من عشرين حلقة.

المٌشعر الثاني على العمق الزائف هوة محاولة فرض عقائديات معينة على شخصيات غير ملائمة لها. كأن تقدم فلسفات نفسية عميقة على لسان شخصية في المرحلة الثانوية لا تمتلك أي خلفية تؤهلها لقول هذا النوع من الأفكار، ناهيك عن التفكير بها. الطريقة هذه في عرض الأفكار تعتمد بالكامل على قدرة الكاتب على بناء شخصيات متماسكة، وامكانية تقديم الأفكار ضمن إطار الأنمي.

موضوع عرض العقائديات والتوجهات الفكرية على لسان الشخصيات ليس موضوعاً جديداً على الإطلاق، وهو من الطرق الجيّدة التي يمكن توظيفها لإيصال الرسائل المبطّنة في القصص. ولا أعتقد شخصياً أن في هذا الأسلوب مشكلة، على الرغم من كونه مكروهاً من الكثيرين. بأي حال، المشكلة أولاً وأخيراً تبقى في طريقة التقديم.

توظيف جيد لعرض الأفكار الفلسفية من خلال الحوارات جاء في أنمي سايكو باس، وكان منطقياً وملائماً لأجواء الأنمي وشخصياته البالغة التي تعايش أحداثاً محفّزة لهذا النوع من التفكير. بينما يمكنك رؤية محاولة فاشلة جداً لهذا في أنمي Guilty Crown حيث تتفوه الشخصية الرئيسية بأفكار فلسفيّة خارج نطاق أساساتها.

لا يمكنني مقاومة التفكير بأن الكاتب قد جلس بعد إنهاء القصة والحوارات بالكامل، ومن ثم خطرت له فكرة “تعميق” الأنمي بعد الانتهاء، ومن ثم حاول تعميقه بشكل سريع قبل إرسال النص للمراجعة. ولم يدرك أن النص قد تحول لهراء غير مترابط على الإطلاق.

المٌشعر الثالث على أن ما ستشاهده عبارة عن كتلة من الهراء، توظيف العنف الزائد في غير محلّه. وهو مؤشر غير دقيق بالمجمل ولكن يمكنك الاعتماد عليه عند متابعة أغلب أنميات الشونين. حيث يحاول بعض الكتّاب توظيف العنف الزائد والمشاهد الدموية والجنسية المؤذية للنظر ليحاول بناء عمق نفسي للأنمي، ويجعله أكثر جذباً للقراء الشباب الباحثين عن أنميات الكبار.

لا يعني هذا أن كل توظيف للعنف في الأنمي محاولة فاشلة لبناء عمق غير موجود، ولا يعني أن كل أنميات الشونين عديمة المعنى والهدف. ولكنه يعني ببساطة أن كون الأنمي “للكبار” لا يتحدد فقط بكونه “دموياً” أو عنيفاً. وأن عمق الأنمي لا يقاس بمقدار المحتوى الغرافيكي الموجود فيه.

من الأنميات التي وظفّت العنف بطريقة سيئة لإيهام المتابعين بالعمق أنمي Mirai Nikki. وربما رأيي بهذا الأنمي منحاز قليلاً كوني شاهدته لاحقاً بعد مجموعة من الأنميات المذهلة، ولكن بأي حال وبعيداً عن التفاصيل الأخرى، الأنمي حاول الاعتماد على العنف الجسدي المبالغ فيه “خارج نطاق القصة في كثير من الأحيان” ليقدّم للمتابعين القليل من العمق المزيف والإحساس الواهم أن هذا الأنمي مخصص للبالغين.

شخصياً لا أعتقد أن هذا سيء بالضرورة، فبعض الأنميات توظّف هذا بطريقة مذهلة، ولكن من الصعب العثور على أنمي يقدم الكثير من الدماء والمحتوى الغرافيكي وينجح في تقديم فكرة عميقة قابلة للفهم ضمن إطار الأنمي. هناك أنميات نجحت في توظيف الصور الجنسية لصالح القصة مثل Kuzu no Honkai وأخرى نجحت بتوظيف المحتوى الدموي لخدمة الرسالة المبطّنة مثل مادوكا ماجيكا.

هل أنميات العمق الزائف عديمة القيمة؟

شخصياً لا أعتقد ذلك، السبب الأول أن الأنمي ليس مخصصاً لتوجيه الرسائل فحسب، وإنما هو وسط فنّي يركز على المتعة البصرية والسمعية بشكل رئيسي. والسبب الثاني أن لكل عمل فنّي رسالة يحاول إيصالها، مهما كانت تافهة؛ ربما تكون هذه الرسالة مقدمة بطريقة سيئة، أو ربما يكون الكاتب على خطأ فيها، ولكن هذا لا يعني أنه يجب تجاهلها.

في النهاية، هناك الكثير من الأعلام الحمراء التي تبعدني عن الأنمي بمجرد مشاهدتها؛ كالعنف الزائد في غير محله، أو المحتوى الجنسي في غير محله، او الحوارات “العميقة” في غير محلها. ولكن لا يعني هذا أن الأنمي يفقد متعته بالمطلق لهذا السبب.

4
اترك تعليق

avatar
2 Comment threads
2 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
3 Comment authors
هادي الاحمدNoorNoor Gh Recent comment authors
  Subscribe  
الأحدث الأقدم
نبّهني عن
Noor Gh
عضو

مقال جميل

Noor
ضيف
Noor

مع اني لا اوافق على العمق الزائف لبعض الانميات لكن فهمت قصدك ، بس لازم يكون Kuzu no honkai مذكور لانه الانمي نمبر ون من ناحية العمق الزائف