ميد إن آبيس، رحلة سحرية مرعبة

شاهدت منذ أسابيع الفيلم المتمم لميد إن آبيس، وبعد أن اقتراح @maherr الكتابة عن الفيلم -وعن شخصية بوندرويد تحديداً- كان جوابي حينها “لا أدري”… في تلك اللحظة لم أكن قادراً على التفكير بأي شيء متعلق بالأنمي، كنت مسحوراً تماماً وغارقاً في القصة بعد ما يقارب الساعتين من المتابعة المتواصلة.

أذكر متابعتي المتواصلة هنا لأنّي لا أقوم بهذا عادة، لا أستطيع الجلوس ومتابعة الأنمي كاملاً أو لفترات طويلة، وهناك عدد قليل جداً من الأنميات التي تستطيع إجلاسي أمام الشاشة لإنهائها في جلسة واحدة. وهو السبب أيضاً في تجنّبي مشاهدة الأفلام بسبب مدّة عرضها الطويلة.

بأيّ حال، بعد انتهائي من متابعة الفيلم فكرت كثيراً بما يمكنني الحديث عنه، أردت أولاً أن تكون مراجعتي للفيلم محاولة لتفسير المشاعر السحرية التي شعرت بها أثناء المشاهدة، أردت وصف الحالة التي أدخلتني بها الأحداث والطريقة التي جلست فيها أمام الشاشة وكأنّي أشاهد “أبطال الديجيتال” لأول مرة على قناة سبيستون.

فكرت كثيراً بما يمكنني الحديث عنه، وكانت المسودّات التي كتبتها تقودني دائماً إلى فكرة واحدة؛ أجل، كنت مسحوراً تماماً بما يجري أمامي من أحداث، ولكن في نفس الوقت كنت خائفاً، وهذا أكثر ندرةً بالنسبة لي حتّى من اللحظات التي أغرق فيها في أنمي ما وأتابعه كاملاً في جلسة واحدة.

تنبيه: سيتضمن هذا المقال حديثاً عن الجزء الأول من الأنمي وعن شخصية بوندريد الموجودة في الفيلم الثالث المتمم.

لماذا لا أتابع أعمال الرعب

الطريقة التي تعتمد فيها أعمال الرعب على الدموية المبالغ فيها Gore والمفاجآت المرعبة Jumpscares، الشخصيات الغبية والضعيفة، والقصص الرخيصة التي لا يمكنك التفاعل معها لمحاولة إخافتك “برخص” تدفعني بعيداً عنها.

حتّى مانغات جونجي إيتو -مع اعترافي بقدرته الفنّية العظيمة وقدرته على اللعب على المخاوف البدائيّة- لا تستطيع التأثير بي بتلك الشدّة. نوع القصص التي يكتبها واعتمادها بشكل كبير على المخاوف البدائيّة تجعلني في أسوأ الأحوال “أتقزز” مما أراه، ولا “أخاف” فعلاً مما سيحصل.

السبب الرئيسيّ الذي يمنع هذه الأعمال من التأثير بي هو أنّها لا تنجح بإدخالي في أجواء العمل، ولا تتيح لي فرصة فهم الشخصيات والارتباط بها بما فيه الكفاية لأتأثّر بما يجري معها.

هذا ما يجعل ميد إن آبيس مختلفاً بنظري، على الرغم من كونه يعتمد الدموية التي لا تنجح معي عادةً، فهو ينجح جداً قبل كلّ شيء في بناء عالم ساحر وقادر على أسر انتباهي أثناء المشاهدة، وقادر على ربطي بالشخصيات التي تخوض الرحلة، ولا يحاول العبث بمشاعري سوى بعد الانتهاء من هذا البناء والربط.

شخصيات مثل أوزين، ميمي، وبوندريد قادرة على العيش في ذاكرتي حتى بعد انتهاء متابعتي للأنمي ومرور أكثر من سنتين على انتهائه، وعلى الرغم من قصر وقت ظهورها على الشاشة مقارنة بالشخصيات الرئيسية، ببساطة لأن طريقة عرضها في الأحداث، والأجواء العامّة للعمل القادرة على جعل هذا العرض مؤثّراً حفرت هذه الشخصيات في ذاكرتي بطريقة لا يمكن نسيانها.

الصافرات البيضاء وأسطورة البطل

في عالم ميد إن آبيس، هناك مجموعة من الأشخاص العظماء، هؤلاء هم الوحيدون الذين استطاعوا الوصول إلى الطبقة السادسة من الهاوية وما دونها، أوزين، بوندريد، ولايزا والدة ريكو هم الأشخاص الوحيدون الذين نعرفهم ونعرف امتلاكهم لصافرة بيضاء في الجزء الأول من الأنمي، وهم الشخصيات الأهم في هذا الجزء من الرحلة.

على الكفّة الأولى، الطريقة التي ينظر فيها أهل القرية والمنقّبون المبتدئون إلى حاملي الصافرات البيضاء أقرب لنظرة الناس إلى الأبطال في الأساطير وكأنّهم كائنات أخرى لا تشوبهم شائبة، وعلى الكفة الثانية هناك نظرة المنقبّين الأكثر خبرة، ونظرة من تعامل مع هؤلاء الأبطال بشكل مباشر، والتي تظهرهم من زاوية مختلفة تماماً.

لايزا سكّيرة ومتهوّرة وقد خاطرت مراراً بحياة أصدقائها من المنقّبين لإشباع حبّها في استكشاف الهاوية ولم تكن صادقة تماماً مع تلاميذها وحتّى أقرب الناس إليها. أوزين لا تمتلك أيّ تعاطف مع من يحاول استكشاف الهاوية، والسبب الوحيد الذي يدفعها للتصرّف بنوع من العطف والاحترام مع ريغ وريكو هو معرفتها الشخصية للايزا. وبوندريد؛ من اللحظة الأولى لمعرفتنا لوجوده ونحن نعلم أنّه ليس بطلاً – ربما حتّى ليس بشريّاً، حتّى بنظر أوزين التي فقدت أصلاً أجزاء من انسانيّتها في الهاوية.

في هذه القصة الأبطال ليسوا من يستطيعون التغلب على الهاوية ولعنتها، بل الذين ينجحون في الوصول إلى قعر الهاوية (أو يقتربون منه) والعودة إلى السطح بأقلّ الخسائر الممكنة.

هذا الهبوط سيكلّفهم حتماً أجزاءً من إنسانيّتهم كما أيّ شخص آخر يحاول تحدّي الهاوية واستكشافها – البطل هو من يستطيع النجاة بأكبر قدر ممكن من “بشريّته” السليمة في النهاية، وليس من يستطيع التغلّب على اللعنة؛ فاللعنة ذاتها لا يمكن تفاديها.

في حالة لايزا وأوزين يمكننا فهم الأمر، فكلاهما لا يزالان يمتلكان جزءاً من الإنسانيّة، على الأقل بحسب ما نراه من الأحداث، ولكن في حالة بوندريد الأمر مختلف جداً إذ من الصعب فهم شخص يقوم بتعذيب الأطفال ويحوّلهم إلى وحوش مهما كان هدفه من ذلك.

الهاوية والإله

كما ترين، الناس هنا لا يؤمنون بالإله، أتعلمين بما يؤمنون؟ الجواب هو: المكان هذا – الهاوية بذاتها.

أوزين

الهاوية هي السر الكبير الجديد، النبع الذي لا ينضب لتغذية الفضول البشريّ الذي لا يكتفي، وعلاقة الناس في هذه القصة مع الهاوية هي -بكلّ المعايير- علاقة فضول مطلق في محاولة لفهم آخر أسرار الكون.

لعنة الهاوية لا تعاقب الفضول هذا، بل تعاقب العودة، فهي تطلب من المنقّبين البقاء في الداخل ومتابعة البحث، الصبر على البيئة القاسية، ومحاولة الوصول للإجابة على السر – هل للهاوية قعر؟ ما الذي يوجد في نهايتها؟ كلما اقتربت من الوصول لهذه الإجابة كلّما كانت عقوبة العودة أقسى، وكلما كانت تأثيرات اللعنة أقوى.

في الهاوية نظام بيئيّ متكامل، هناك ما يكفي من الطعام والشراب ليكون المنقّبون قادرين على العيش فيها، هناك مدن محميّة بجدران، ومصاعد فعّالة يمكن استخدامها لإرسال ما يحتاجه المنقّبون، ولكن الخوف وقليل من العجرفة يدفع الناس للعودة للسطح، حاملين الكنوز التي عثروا عليها في الداخل، بهدف الحصول على المجد والثراء ربما.

يمكن النظر إلى هذا التصرف -العودة إلى السطح- على أنّه نقص إيمان بالهاوية، واللعنة ما هي إلّا عقاب على ذنبهم هذا الذي اقترفوه.

في أعماقها، تتسلل الهاوية إلى عقلك، وفي النهاية تنال من جسدك أيضاً، وعلى عكس اللعنة من الطبقة السادسة، هذه التأثيرات لا تظهر فوراً. في كلّ رحلة تخوضها ستقف على مشارف الموت والجنون، ممزّقاً الجلد عن رأسك.

أوزين

لماذا من الصعب فهم بوندريد؟

ما تقولينه يفترض أنّ العائلة لا يمكن أن تبنى سوى بروابط الدم. لا أعتقد أنّ هذا صحيح. القلب العطوف هو ما يجعل مجموعة من الناس عائلة. الدم لا يساعد كثيراً في هذا الخصوص. إنه الحب، الحب يا ناناتشي.

بوندريد

من السهل الإشارة إلى بوندريد على أنّه “شخصيّة أنمي مجنونة أخرى” وتخطّي الآرك المتعلّق به بالكامل في الفيلم، وهذا لأنّ محاولة فهم دوافعه والطريقة التي ينظر فيها إلى العالم ليست سهلة على الإطلاق، فهو من البداية موسوم بصفة الشرّ، والقصّة مكتوبة ليكون الشخص الأكثر “إرهاباً” بين كلّ الشخصيات التي ظهرت فيها حتّى الآن – حتى بين الوحوش التي تعيش في الهاوية.

إن كانت الهاوية تمثّل الإله، ولايزا تمثّل نوع المتعبّدين أصحاب الفضول والعفوية، وأوزين تمثّل أصحاب الهدوء والثبات، فبوندريد يمثّل حتماً الإخلاص والتفاني.

على عكس حاملي الصافرات البيضاء الآخرين، بوندريد لم يدع شخصاً آخر يضحّي بنفسه كي يكون قادراً على الغوص في أعماق الهاوية، بل فضّل التضحية بنفسه والعيش تحت ثقل تأثير الأداة التي زرعت وعيه في أجساد مساعديه. في أيّ سياق آخر، هذه قصّة بطولية تعطي لبوندريد مرتبة أعلى من بقيّة حاملي الصافرات البيضاء.

ولكن، تأثير الأداة التي استخدمها بوندريد لتوزيع وعيه بين الأجساد المختلفة لم يكن لطيفاً، وبدأت انسانيّته تمحى شيئاً فشيئاً، إلى أن تبقّى الجزئين الأكثر قوّة منها؛ الجانب الطيّب الذي دفعه للتضحية بنفسه بدلاً من شخص آخر، والجانب الفضوليّ الذي جذبه للهاوية في الأساس.

بوندريد يتعامل مع الأطفال بلطف هائل، حتّى قبل وضعهم على طاولة العمليّات لتحويلهم إلى مصادر طاقة لسلاحه الخاص، حتّى بعد إجراء التجارب عليهم وإخضاعهم للعنة الهاوية، وحتّى بعد موتهم؛ يتذكّر أسماءهم، أحلامهم، ورغباتهم، ويحاول قدر الإمكان أن يظهر لهم نوعاً من الاهتمام قبل وفاتهم.

بنفس الوقت، لديه شغف بدراسة لعنة الهاوية لفهمها، وهذا الشغف هو ما يدفعه للعمل بشكل مستمر حتّى يكون قادراً على امتلاك “نعمة” الهاوية التي ظهرت في ناناتشي، ويدفعه أيضاً ليرتكب الفظاعات التي ارتكبها بحق الأطفال.

بوندريد الحقيقي برأيي هو الذي يظهر عندما يتعامل مع ناناتشي، الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يمكنه أن يتصرف معه على طبيعته دون تناقض بين جانبه المحبّ وفضوله، فهو يهتمّ بها لأنّها عيّنة لا تقدّر بثمن لاختباراته ودليل حيّ على نعمة الهاوية التي يبحث عنها، ولكنّه بنفس الوقت يتعاطف معها وكأنها طفلته وعائلته.

المشكلة التي تجعل فهم بوندريد صعباً برأيي هو أنّه لا يحاول تنصيب نفسه كشخص سليم أخلاقياً ولا يحاول تبرير أفعاله على أنّها خير مطلقاً، فهذا لا يهمّه أساساً، الفضول هو الدافع الوحيد وهو الأمر الوحيد الذي يستطيع فهمه في هذا العالم. عندما ترى أفعاله من تلك الزاوية، من زاوية ما تبقّى من إنسانيّته، سترى أنّ ما يقوم به “منطقيّ” أكثر، وأفعاله تلك مفهومة أكثر. لن تتعاطف معه حتماً فهو بكل المواصفات قاتل وجزّار مرعب، ولكن ستفهمه أكثر؛ هذا ما يجعله شخصيّة “مرعبة” أكثر برأيي.

ماذا عن البطلة؟

كون الشخصيات الرئيسية الثلاثة “أطفال” في هذه القصة يدفعني للنظر لها على أنّها “رحلة بلوغ” بشكل أو بآخر، وترافق استكشاف الأطفال للهاوية مع استكشافهم لهويّاتهم الخاصة -سواء كانت جنسية أو فكرية- يقوّي هذا الاعتقاد لديّ. الهاوية التي تمتلك صفة دينيّة في هذا العمل، توقظ في ريكو الكثير من الجوانب التي لم تكن تعلم بوجودها، وتساعدها على الوصول إلى الحقيقة بشأن هذا العالم.

رحلة ريكو في هذه القصة هي انعكاس للأساطير التي سمعتها عن والدتها وحاملي الصافرات البيضاء الآخرين، الفرق الوحيد بين ريكو وبين حاملي الصافرات البيضاء الآخرين هي أنّها الوحيدة التي ترفض العودة للسطح تماماً – بمعنى آخر، هي الوحيدة التي تعتنق الرحلة الدينية نحو مركز الهاوية، ليس لخوفها من اللعنة، بل لرغبتها في المتابعة.

ريكو على الرغم من كلّ عيوبها وضعفها نجحت بما لم ينجح به أيّ منقّب آخر، امتلكت الشجاعة للتوجه نحو قعر الهاوية دون خطّة للعودة، وعلى الرغم من كل المصاعب التي مرّت بها في الرحلة، لا تزال محظوظة مقارنة بما مرّ به المنقّبون الآخرون الذين وصلوا للطبقات التي وصلت إليها.

لماذا لم أرد الكتابة عن ميد إن آبيس؟

عودة على وصفي الذي استخدمته في البداية، قدرة ميد إن آبيس على سحري وسلب انتباهي أثناء المشاهدة وغرقي في التفاصيل والتفسيرات بعد الانتهاء من المتابعة هو ما يجعلني أتجنّب الحديث عنه. كلّما اعتقدت أنّني شارفت على الانتهاء من حديثي عنه تتدفق أفكار أخرى، ماذا عن ريغ وناناتشي؟ ماذا عن أوزين؟ مالروك؟ الأطفال في المأتم؟ الهاوية نفسها؟ الوحوش فيها؟ لماذا اضطرب انتظامها وبدأت الوحوش تظهر في أماكن غير تلك التي يفترض بها أن توجد فيها؟

باختصار، هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة، والإجابة عليها كلّها في مكان واحد مرهق بكافة المعايير، هذا الإرهاق برأيي جزء هائل من متعة المشاهدة، ولكنّه كان أيضاً العائق الأكبر أمام إنهائي لمقال عن الأنمي. لهذا قررت الاكتفاء بما يمكنني الحديث عنه ضمن حدود المنطق وتجنّبت التفصيل في كلّ شيء، تركت طرف الخيط لمن يحبّ الخوض في النقاش، وبهذا لا أكون قد تخلّصت من عبء شرح كلّ شيء فحسب، بل تركت المجال لمن يرغب بالبحث بنفسه والعثور على الإجابات في هذه القصة أن يستمتع بهذه الرحلة.

Default image
هادي الأحمد

Leave a Reply

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.