الشخصيَّات الفارغة وخيال القوَّة: التأثير السردي

الأعمال القصصية بمجملها تهدف لإخراج المتلقّي من عالمه وإعطائه فرصة؛ إما ليلقي نظرة على ما يجول في خيال الكاتب أو ليهرب من الواقع المضطرب أو ليحقق أمنياته عبر عيش الأحداث من أعين الشخصيات أو كل ما سبق.

هذا ما يجعل انتقاد الهروبية – Escapism في الأعمال القصصية برأيي أمراً غير واقعيّ، خصوصاً عند تصويرها كعيب كتابيّ أو إشارة ضعف، وسبب إنكاري لهذا بسيط؛ الهروبيّة المتقنة تستخدم كصفة مدح، عندما يوصف عالم قصة “ملك الخواتم” مثلاً على أنه “ساحرٌ ويغرقك في تفاصيله” – هذا ببساطة إشارةٌ إلى قدرة هذا العالم على فصلك عن الواقع وإراحتك منه.

إذاً، الهروبية بذاتها لا عيب فيها بل على العكس، هي هدفٌ أساسيّ برأيي في بعض القصص. لكن يجب أن تكون متقنةً ويجب أن تكون “ملائمة” لهدف الكاتب وجمهوره المستهدف.

وكما الهروبيّة، تحقيق الأمنيات – Wish-fulfillment أيضاً ينتقد دون نظر للسياق، وهنا بخلاف الهروبيّة، لا ترى لهذا “مدحاً” بل في أفضل الأحوال يشار إلى هذا العامل في القصص بإصبع مندد ومستنكر.

ولكن مجدداً، أرى هذا بعيداً عن الواقع، فقصص تحقيق الأمنيات شائعة وممتعة ومنتشرة، يكفيك أن ترى نجاح أعمال مثل سورد آرت اونلاين وأوفرلورد وشبيهاتها لتدرك أن لهذا النوع من القصص سوقٌ هائل، وأنها تصنف في أعين محبيها بين الجيدة والسيئة.

فإن كان هذا النوع من القصص “ممتع” وله جمهور وفيه الجيد والرديء، على أيّ أساس يرفض بأكمله دون نظر وتمعّن؟

ما أراه بالمجمل في هاتين النقطتين، أن من ينظر إليهما بعين رفض وإنكار شامل يقع في خطأ فادح، وأن النظر فيهما يجب أن يكون من زاوية تسمح بأخذ للسياق والجمهور والهدف عين الاعتبار.

ولا يؤخذ كلامي هنا على أنه “تبرير” لهذه القصص كي تكون عديمة الإبداع والمعنى، بل على العكس، عليها أن تكون حتماً قصصاً إبداعية وملهمة وذات معنى لتكون قادرة على إخراج المتلقي من واقعه وتحقيق أمنياته.

وهذا ما يقودني لنقطتي الأساسية التي كتبت المقال لأجلها، وهي ناتج مباشر عن هذين النوعين من القصص؛ الشخصيات المصمّمة لتكون مرآة يستطيع المتلقّي عكس نفسه عليها وتخيل نفسه بمكانها بسهولة، لتساعده في الهروب من واقعه وتحقيق أمنياته عبرها.

هذا النوع من الشخصيات مرتبط محورياً بهذا النوع من القصص، ولهذا بدأت حديثي من تلك النقطة، لأن فهم مصدر الشخصية وسبب استخدامها أساسيّ لمعرفة تأثيرها على بقية عناصر القصة، وسأعود لاحقاً لخيال القوّة، وأشرح أكثر عن نظرتي له.

ولكن لنبدأ أولاً بتعريف هذا النوع من الشخصيات

ماري سو – Mary Sue

“ماري سو” اسم يرمز للشخصيات الرئيسية التي يكتبها الكاتب سواء ليضع نفسه في القصة – Self Insert كشخصية خالية من العيوب (يشار للذكور باسم غاري ستو والإناث ماري سو)، أو ليكون المتلقّي قادراً على تحقيق أمنياته من خلال هذه الشخصيّة – Wish Fulfillment وتتميز هذه الشخصية بكونها مثالية وخالية من العيوب ولا تمتلك أي نقاط ضعف حقيقيّة – حتّى نقاط الضعف التي تمتلكها هذه الشخصية لا تهدف القصة لتحدّيها بل لتجميلها وتعظيمها من خلال الأحداث.

باختصار، هذا النوع من الشخصيات مصمّم بالكامل ليكون “مرآة” مثاليّة تقدّم صفاتٍ عامّة يمكن للقارئ الارتباط بها – Relatable وفي الوقت نفسه تتصرف في مواقف القصة جميعها بأفضل “صورة” ممكنة لتحقق أمنية المتلقّي في التفوق والنجاح.

هذا لا يعني أن ماري سو شخصيّة سهلة الكتابة ويمكن رميها كيفما اتفق في القصّة، بل هي شخصيّة محسوبة ومعقّدة ويستخدمها الكثير من الكتّاب للوصول إلى فئة معيّنة من المتلقّين ولإيصال أفكار لا يمكن تقديمها دون هذا النوع من الشخصيات.

ولكن للعديد من الأسباب يستسهل الكثير من الكتّاب استخدامها ويميل البعض الآخر لاستخدامها لا إرادياً ونرى الكثير من المشاكل في هذه الاستخدامات – وبسبب كثرة هذا الاستخدام يشيع القول إن هذه الشخصيات سيئة بالمطلق دون النظر للحالات الناجحة لاستخدامها.

هنا نرى حالة مشابهة لما نراه في تصنيف الإيسيكاي، بقول الأغلبيّة إن التصنيف “سيئ بمجمله” بسبب ضخ الأعمال الهائل من هذا النوع، ولكن عند النظر بعين حياديّة يظهر أنّ كتابة هذا النوع من القصص يتطلب مهارة أكبر بكثير ممّا يظهر في الوهلة الأولى.

وهذا يقودنا للحديث عن تأثيرات وجود هذا النوع من الشخصيات في القصص وكيف ينتقل الفشل في تقديمها إلى كلّ عناصر العمل القصصيّ، بداية من تفاعل الشخصيات مع بعضها وحتّى التقديم البصريّ والوصفي لهذه الشخصيات.

ثقب الحوارات الأسود

الحوارات هي الأداة الأفضل لإفهام المتلقّي علاقات الشخصيات وصفاتها دون الحاجة لتقديم شرح – Exposition مطوّل يصف برتابة كلّ ما يجول في خاطر الشخصيّة وكل قناعاتها وصفاتها، وكون الحوارات أداة التواصل الأساسيّة للبشر في حياتهم، يمكن للقارئ فهم هذه الشخصيّة ورسم صورتها في ذهنه بكلّ سهولة.

على سبيل المثال، يمكن للقارئ عبر الحوارات رؤية شخصيّة ما كفرد منعزل اجتماعيّاً ومنطوٍ على نفسه دون أن يحتاج الكاتب لقول “كان فلان شخصاً منطوياً ومنعزلاً عن مجتمعه” بهذه الصراحة، ولكن لتصل هذه الفكرة يجب على الحوارات أن تعكس بكل تفاصيلها هذه الفكرة، كأن يصف الكاتب ردود فعل الشخصية عند رؤية أحدهم، واختصار الحديث معه ومحاولة تجنّب الجدال والنقاش، ليعود إلى حياته مباشرة مع شيء من الارتياح بعد انتهاء الحديث، وبالإضافة لهذا، يجب أن يعكس اختيار كلمات البطل هذا، فلا يصحّ مثلاً لشخصيّة تحاول تجنّب الآخرين أن تتكلم “برمزية ولغزيّة” لتثير حولها “شكّاً وفضولاً” ممن حولها، فهذا يتناقض مع الصفة الأساسيّة هنا.

في الوقت نفسه، يلعب الحوار في المثال السابق دوراً في تقديم الشخصيّة المقابلة للبطل المنطوي، التي تردّ عليه، وفي حال كانت هذه الشخصيّة ستظهر لاحقاً في القصّة يمكننا من خلال هذا الحوار فهم العلاقة بين الشخصيتين، ويمكننا أن نفهم أيضًا -بصرف النظر عن ظهور هذه الشخصية مرة أخرى من عدمه- محيط الشخصية ووجه تفكيره حين يتجنب مثل هذه المواقف، ككونها محرجة له أو تثقل الحمل عليه أو سوى ذلك. 

المشكلة في ماري سو هو كونها غير قادرة -كتصميم وكأساس- على خوض حوارات طبيعيّة مع من حولها، فالمثاليّة الموجودة فيها تمنع المتلقي من فهم دوافعها الحقيقيّة من نظرة محايدة، وتضع عقبات أيضاً أمام الشخصيات المقابلة لها كي تعبّر عن نفسها. 

كالشخصيات النرجسيّة في الواقع التي تحاول التهام الحديث دائماً والتركيز على نفسها، ماري سو لا تتيح لمحادثها المقابل التعبير عن نفسه.

نلاحظ هذا في الكثير من قصص خيال القوّة، على سبيل المثال، في أنمي Isekai Smartphone -وهو من أسوأ الأنميات من هذا التصنيف، لكنّه مثالٌ ممتاز على الكثير من المشاكل الموجودة في هذا النوع من الشخصيات- حيث يبدأ البطل حديثه مع الشخصيّتين الرئيسيّتين الأنثويّتين في العمل، عبر تقزيمهما في صفات شكلية لا معنى لها، ثم استخدام الحوار المطوّل معهما في بداية القصّة لا لبناء صفات الشخصياتCharacter Traits صفات الشخصيات – Character Traits هي الأجزاء التي تميّز شخصيّة عن الأخرى، كالكذب والصدق، الذكاء والغباء، وغيرها من المتضادّات. هذه الصفات عادة هي ما يخلق الصراع بين الشخصيات أو يدفعها لتساعد بعضها للوصول إلى الهدف النهائيّ، وتغيير هذه الصفات هو ما يسمح للقارئ معرفة ما يطرأ على الشخصيّة من تغييرات، وكيف أثّرت الأحداث عليها. بشكل عام، تستخدم صفات الشخصيّات لبناء “ملفّ الشخصيّة” والاعتماد عليها كخطوط رئيسية أو ملاحظات عامّة لتسهيل تذكّر الشخصيّات على الكاتب.
قراءة المزيد
المشاركة في الحديث، بل لبناء صورة البطل المثاليّة وإظهار قوّته الخارقة في هذا العالم الجديد.

هذا يجعل الشخصية الأساسية، وهي شخصية من المفروض أن تكون المحرّك الأساسيّ لحوارات القصّة ومحوراً لها، مانعاً لوجود أي معنىً أو فائدة في هذه الحوارات عدا ما يساهم في تضخيم تلك الشخصية دون سواها.

لهذا تصبح أعمالٌ مثل سورد أرت أونلاين أهون وأقل سوءًا بمجرد إخراج الشخصية الرئيسية منها، لأن وجود هذه الشخصيّة يعني التهام وقت الشاشة ومنع بقية الشخصيات المحيطة بها من امتلاك أيّ معنىً غير ما يساهم في تضخيم البطل الذي بدوره يلعب على خيال القوة الخاص بالمتابع.

نلاحظ هذا في حالة سورد أرت أونلاين في آرك Mother Rosaria الذي أخرج كيريتو بالكامل من الصورة ليركّز على الطفلة التي تعاني من مرض يجعل حياتها مقتصرة على العيش ضمن اللعبة، هذا أتاح للكاتب فرصة عرض أسونا من زاوية مختلفة، ووفّر له الوقت الكافي ليظهر يوكي -الفتاة المريضة- بطريقة يستطيع المشاهد التفاعل والتعاطف معها خارج خيال “المنقذ كيريتو”.

في هذا الآرك نلاحظ أن لحديث أسونا ويوكي قيمة كبيرة في طريقة فهمنا لهاتين الشخصيّتين، بينما في الآركات الأخرى يصعب فهم نظرة أسونا لكيريتو لأنه يلتهم الحديث ووقت الشاشة كله ليظهر بأفضل صورة ممكنة.

من ناحية أخرى، كون هذه الشخصيات الرئيسية لها دور آخر عدا كونها “شخصيات في القصة” وعليها تجري الأحداث؛ وهو كونها “انعكاساً للمتلقّي” وأداة ليتخيّل نفسه في مواقف مشبعة لرغباته، هذه الوظيفة المزدوجة تدفع الحوارات لتكون بنسبة كبيرة منها “شرحيّة” للعالم المحيط وما يجب على المشاهد فهمه من هذا العالم حتى مع كون هذا الشرح غير منطقيّ في سياق الشخصيّة نفسها، وهذا يعني أنّ أيّ تفاعل “بشريّ” بين الشخصيات سيكون محدوداً بسبب الحاجة لتلك الحوارات الشرحية والتهامها لوقت الشاشة.

لهذا نرى الكثير من المشاهد الحواريّة المطوّلة التي تجلس فيها الشخصيات حول طاولة يترأسها البطل، ليشرحوا له -الأقوى بينهم- وضع العالم في الزمن الحاليّ ودور البطل في تصحيح مسار هذا العالم. وبينما يمكن لبعض القصص التعامل مع هذا بطريقة جيدة، كما يفعل لوغ هورايزون في تعريف شيروي على العالم -لأنه جديدٌ عليه وعلى بقيّة الشخصيّات فمن المنطقيّ أن يتبادلوا معارفهم حوله- تفشل الكثير من القصص الأخرى في استغلال هذا وبالأخص تلك التي تعيش فيها الشخصيات في ذاك العالم منذ زمن طويل.

ليس من المنطقيّ مثلاً لشخصٍ مولودٍ في المنطقة العربيّة قبل ما لا يزيد عن ثلاثين عاماً، أن يطلب شرحاً من شخص آخر يعيش معه في نفس المنطقة عمّا جرى فيها خلال الأعوام الأخيرة، إلّا لو كان هذا الشخص قادماً من الخارج أو يعاني من حالة فقدان ذاكرة، لأنّ هذه المعرفة “بديهيّة” في هذا المكان.

والخلاصة أنَّه عندما يجعل الكاتب الشخصية الرئيسية مجرد انعكاس للمتلقّي وأداةً لتحقيق خيالاته، يؤثِّر هذا على اتّجاه حوارات الخاصَّة؛ مرَّةً في حديث الشخصيَّة نفسِها المانعِ من تكوين أيِّ صفات مميَّزة، ومرَّةً في تمحْوُر الحديث حولَها ممَّا يسلبُ إمكانيَّة بناء أي شخصيَّة أخرى تحيط بها، ومرَّةً في تقديم العالم من خلال حوارات شرحية على نمط لا يتلاءم مع سياق القصَّة ولا تُناسب العالم الذي تعيش فيه الشخصيَّة.

الارتباط مع كلّ المتلقّين

بنظرة براغماتيّة ماديّة بحتة، كلّما ارتبط البطل وبقيّة شخصيّات القصّة مع فئة أكبر من المتلقّين، زادت قدرة القصّة على الانتشار ضمن وسط أكبر، وهذا يعني ضمنيّاً أن الطريقة “المدروسة” للتفاعل مع أكبر عدد من المتلقّين يجب أن تذهب في واحد من طريقين: 

الأوّل هو توسعة دائرة الصفات التي تربط المتلقِّي بالبطل – Reletable ، كأن يكون مثلاً طالباً في المدرسة الثانوية وفي الوقت نفسه مهتماً بألعاب الفيديو ويشاهد الأنمي ويعمل عملاً جانبياً لإعالة نفسه ويخجل من الفتيات، هذا يجعل البطل مرتبطاً بفئة كبيرة من الجمهور المحتمل للأنمي ككل، فهو يغطّي تقريباً كل “ثغرة” من جبهة متابعي الأنمي. 

في هذه الحالة، حتّى لو كان البطل ممتلكاً لقوّة خارقة، أو تدور حوله كوكبة من الفتيات الجميلات المولعات به جسدياً وفكرياً، سيبقى هذا البطل “مرتبطاً” بالمتلقي عبر أحد اهتماماته أو صفاته الحياتيّة عبر كونه “شخصاً يشبه المتلقّي” بشكل أو بآخر. 

هذا الأسلوب في بناء ارتباط مع المتلقي يحاول إصابة هدف خيال قوة المتابع المثاليّ عبر إكثار الصفات وجمع كلّ ما يتوافق منها مع بعضه -وأحياناً ما لا يتوافق منها مع بعضه في حال كسل الكاتب- ليوسّع دائرة جمهوره.

أما الطريق الثاني لبناء الارتباط مع المتلقّي فهو عكس ذاك تماماً، عبر تجريد الشخصيّة الرئيسية من كلّ ما يجعلها “مميزةً” عن غيرها حتّى تصل لمرحلة يمكن للمتابع إزالة هذه الشخصيّة من القصّة نهائياً ووضع نفسه مكانها دون أي تأثير على الأحداث.

في هذه الحالة، يختزل البطل بصفات سطحية، كالقوّة المميزة التي يمتلكها أو تفوقه الأخلاقيّ على نظرائه أو جذبه للإناث، دون النظر إلى سبب وجود هذه القوّة أو مصدر هذا التفوق الأخلاقيّ أو سبب انجذاب الفتيات له، هو موجود بالكامل ليعكس المتلقي نفسَه على القصّة، ليكون تاريخ المتلقّي هو تاريخ الشخصيّة وأهدافه هي أهدافها.

وعلى الرغم من أن “الشخصيات الصامتة” صفة محبّذة في ألعاب الفيديو لكونها وسطاً يركّز على إعطاء الحريّة للّاعب في أخذ القرار، يؤدّي هذا النوع من الشخصيات تأثيراً سلبياً جداً عندما يوضع في وسطٍ لا يسمح بتحرير القرار ويعتمد بالكامل على مسار مرسوم سلفاً لسير الأحداث كالأنمي والمانغا.

لهذا مثلاً نجد الشخصيات المصممة ليعكس المتلقّي نفسه عليها غالباً في قصص مركّزة على “المسار” لا على تفاعل الشخصيات أو بناء العالم، كقصص الفانتازيا اليابانية الحديثة التي تعتمد على عنوان طويل جداً ومركّز بشدّة على “التوجّه” العام للعمل، كقصّة فتاة وجدت نفسها في عالم جديد كملكة الشياطين، أو قصّة بطلٍ عاد لعالمه ليجدّ قوّته التي اكتسبها في العالم الموازي موجودة بين يديه.

نقطة جذب المتلقي هنا ليست “هذه الشخصية ستكون مثيرة للاهتمام وأعدك بأن بناء العالم سيكون مميزاً” بل على العكس، هو يصف العالم والشخصية الرئيسية في عبارة واحدة، ولكنّه يعدك بأنّ البطل سيأخذ “الطريق الفلانيّ” في أحداث القصّة، مثلاً أن يكون طيباً في رداء شخصية شريرة، أو شريراً في عالمٍ موازٍ، أو بطلاً مظلوماً يسترد حقّه بأفظع الأساليب.

والمثير للاهتمام أيضاً برأيي -وهي ملاحظة عن تجربة شخصيّة لا إثبات لديّ عليها- أنّ هذا النوع من الشخصيات الفارغة والمصممة لعكس المتلقّي غالباً ما يكون عالمها مبنيّاً على أساسات كليشيهيّة مقاربة لأنظمة الألعاب، كوجود نظام نقاط خبرة – XP ونظام ترقية – Leveling وغيرها من أعمدة ألعاب الRPG التقليدية.

هذا يجعل الربط بين الشخصيات هذه والشخصيات الصامتة في ألعاب الفيديو أكثر منقطيّة برأيي، لكن مجدداً، لا دليل إحصائيّ لديّ على مدى شيوع هذا في قصص خيال القوّة.

بأيّ حال، سواء كان أسلوب الربط مع المتلقّي معتمداً على كثرة نقاط الترابط أو انعدامها، هناك نقطة وبحسب قانون العوائد المتناقصة – Diminishing Returns ينقلب فيها هذا الارتباط من أمر قادر على ربط المتابع بالقصة إلى أمرٍ ينفّره عنها.

وهذا برأيي على الأقل، أكثر شيوعاً في القصص التي تعتمد تفريغ الشخصيات وتسطيحها لتكون قادرة على عكس صورة المتلقّي مقارنة بتلك التي تكثر من الصفات المقاربة؛ السبب في هذا أنّ الشخصيات الفارغة تحتاج في تصميمها إلى القدرة على تغطية خيال قوّة المتابع، وهذا يعني دخولها في مواقف وأحداث كثيرة تتناقض في كثير من الأحيان مع بعضها.

على سبيل المثال، في حالة Highschool DxD وهو خيال قوّة يعتمد النوع الأول من الشخصيات الارتباطيّة، حيث يضع طالباً في المرحلة الثانوية محبّاً للنساء بين حريم من الفتيات المولعات به، يحاول العمل ربط المتلقّي بإيسّيه، البطل الرئيسي، عبر هذه الصفات ويدع إيسّيه يكوّن شخصيّته المتفرِّدة قدر الإمكان – بحيث يمكن لهذه الشخصيّة أحياناً الخروج من خيال قوّة المتابع -ولو مؤقتاً- لتحقيق تطوّر ما في الأحداث.

وفي المقابل، أعمالٌ مثل هذا العمل الذي لن أتعب نفسي بترجمة اسمه، يقدّم بطلاً “فائق القوّة” دون أيّ صفات ملحوظة أخرى في شخصيّته، ويتيح لهذا البطل طريقاً في الأحداث ليشتري عبيداً بهدف تحريرهم، ولكن لكونها قصّة خيال قوّة ذات طابع جنسيّ، تبقى الفتيات المحيطات به “راضيات” بالاستعباد إن كن تحت سيطرته.

حتّى إن تركنا مفهوم الاستعباد جانباً، فهو الآخر مقاربٌ لوضع إيسّيه في Highschool DxD، نرى التناقض هنا بين التفوق الأخلاقيّ الذي يحاول البطل القيام به عبر تحرير العبيد وإنقاذهم، وبين خيال القوّة الجنسيّ الذي يجبر الشخصيات المحيطة به على البقاء بصفة ثابتة.

في حالة إيسّيه، القصّة موجّهة أصلاً لمن يرغب بعيش خيال قوّة يكون فيه البطل فائق القوّة ومرغوباً جنسياً ومحاطاً بالفتيات وفي نفس الوقت قادراً على التعبير عن انحرافه بكلّ صراحة، ومن لا تنطبق عليه هذه الصفات لن يستمتع بالقصّة كغيره، هنا ضحّت القصّة بالترابط مع “كل” المتلقّين مقابل امتلاكها “شخصيّة” حقيقيّة – حتّى مع حفاظها على خيال القوّة.

أما في حالة البطل المستعبد المذكور آنفاً، القصّة تحاول جاهدة أن تشمل طرفين متناقضين من المعادلة، شخص خيال القوّة الذي يبحث عنه هو ما يجلب الحريّة للعبيد، وآخر خيال قوّته يتضمّن وجود عبيد خاضعين له وراغبين به جسدياً. محاولة تغطيّة “كلّ” المتلقّين جعلت هذه القصّة تخيب آمال الطرفين.

خيال القوة كهدف مقابل خيال القوة كثيمة

برؤية تداخل خيال القوّة مع وجود الشخصيات الفارغة في القصص، قد يبدو أنّي أساوي بينهما في هذا المقال، لهذا أردت تخصيص فقرة كاملة للحديث عن خيال القوّة وشرح موقفي منه.

عودة على المقدّمة، أنا لا أرى خيال القوّة بالمطلق أمراً فيه مشكلة، القصص بمجملها موجودة لتخرج المتلقّي من واقعه حتّى يضع نفسه في مكان الشخصيّات ولو بنسب متفاوتة، عندما تتابع مثلاً Fate/Zero لن تستطيع منع نفسك من الانغماس في عالم القصّة، ورؤيته من عينيّ كيري ولو للحظات، القصص الجيّدة تسمح لك بتخيل نفسك في مواقف ربما لم تتخيل نفسك فيها من قبل.

وكما أسلفت أيضاً في حديثي عن “الشخصيات الصامتة” في ألعاب الفيديو، لا أعتقد أنّ مفهوم الشخصية التي يمكن للمتلقي عكس نفسه عليها سيئ بالمطلق، ولكن حتّى الآن، لم أجد تطبيقاً جيداً لهذا النوع من الشخصيّات في القصص الثابتة – المقصود بالقصص الثابتة هنا التي لا يمكن للمتلقي التأثير على أحداثها.

لذا وصفت هذه الشخصيات بتسمية “الشخصيات الفارغة” لتمييزها عن تسمية “الشخصيات الصامتة” الشائعة في الألعاب.

سبب حديثي عن خيال القوّة وربطي الشديد له بفكرة الشخصيّات الفارغة، هو أنّها بالمطلق قادمة منه ومتأثّرة بأهدافه، يمكنك القول إنّها النتيجة الحتميَّة لمبالغة الكاتب في اعتماد خيال القوَّة وجعلِه هدفاً – لا “ثيمة”- في العمل.

الفرق بين الثيمة والهدف برأيي أنّ الثيمة لا تقود الأحداث -رغماً عن منطق العالم وطبيعة الشخصيّات- إلى مكان ملائم لها، بل تستغلّ الديناميكيّة الداخليّة للعمل هذا العنصر -خيال القوّة في هذه الحالة- لتوصل قصّة متكاملة، ولتضع الشخصيّات في مواقف مثيرة للاهتمام، ولتساعد الكاتب في الوصول إلى هدف خاص به.

أما الهدف فهو ما يقود العمل كلّه، هو ما يحدد منطق العالم ومجال سير الأحداث، وهو ما يدفعُ  الكاتب لاتخاذ القرار في ما يجب تضمينه وما يجب اختزاله من القصّة.

لوغ هورايزون عمل يستخدم خيال القوّة كثيمة، هو يضع شيروي في مقعد البطل الخارق القادر على تحقيق كل شيء، يحيطه بالفتيات الجميلات، يضعه على منصّة أخلاقيّة أعلى من زملائه، يتيح له فرصةً للحديث مع “روح العالم” وهو ما لم يتح لغيره.

شيروي بكلّ المعايير شخصيّة فائقة القوّة، مشبعة لخيال القوّة للمتابع، ولكنّه في الوقت نفسه شخصيّة تسقط من هذه المعايير وتخضع لتحديّات تجعلها أقوى وأوعى مع الزمن، وإن كان هذا على حساب “كسر” خيال القوّة في القصّة وإخراج المتابع من جلسته المريحة في جسد هذه الشخصيّة.

في المقابل، Isekai Cheat Magician عمل يهدف ليكون خيال قوّة، يضع الشخصيّة الرئيسية في كل المواقف الممكنة ليظهر بأفضل طريقة ممكنة وإن لم لم يكن هذا مناسباً لسياق القصّة، الهدف هنا هو أن يظهر البطل بأقوى صورة ممكنة – الهدف هو خيال القوّة وإغراق المتابع بالدوبامين بمجرد جلوسه داخل جسد هذه الشخصيّة الخاوية.

كلاهما يعتمد على “قوّة البطل الفائقة” ولكن أهدافهما مختلفة جذرياً وبها تختلف بنية الشخصيات.

في هذا المقال سردت تأثيرات الشخصيات الفارغة على النصّ والقصّة نفسها، في الجزء القادم من هذا المقال سأنتقل للحديث عن تأثير هذه الشخصيّات على الأنمي والمانغا كأوساط بصرية لإيصال القصص، وكيف ينعكس خواء هذه الشخصيات على تصميمها البصريّة أولاً، وعلى مظهر العمل ثانياً.

الصورة الافتراضية
هادي الأحمد
المقالات: 91

تعليق واحد

اترك ردّاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.