لماذا يجب عليك الاهتمام بالجّانب البصري في أعمال الأنمي

11

خلال وجودي ككاتب على موقع كاواي كتبت العديد من المقالات التي تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول الجوانب البصريّة في الأنمي وما يعنيه هذا موضحّاً أعمال العديد من الأشخاص المهمّين في الصّناعة. النّقاشات الّتي ولّدتها بضعة من هذه المقالات كانت تدور حول الفكرة إذا ما كان الجّانب البصري فعلاً ذو أولويّة أو أنّه مجرّد تتمّة لما تم كتابته في السكربت.

على هذا الأساس قررت كتابة هذا المقال محاولاً استكشاف ما يعنيه فعلاً أن “تشاهد” أنمي. هدف المقال ليس اجبار المتابع على شيء لكن توسيع الآفاق ومحاولة فهم ما يعنيه أن تشاهد عملاً مرئيّاً.

ليس الـ “رسم” ولكن العديد من الجّوانب

كلمة “رسم” مبالغ في استخدامها قليلاً بين متابعي الأنمي. المشكلة لا تقع في استخدام الكلمة نفسها بل في المعاني المختلفة التي يقصدها أصحابها وغالباً الدخول في جدال عقيم فقط بسبب مشاكل المصطلحات ودمج كل شيء في كلمة واحدة. لهذا دائما ما اقترح التّخلّص من كلمة “رسم” تماماً والانتقال إلى بعض المصطلحات الأجنبيّة لأنّه للأسف لا يوجد مرادفات مفيدة في اللغة العربية دائماً وهو ما يصعّب النقاش كثيراً.

الهدف هنا هو توضيح لماذا هذه الجّوانب البصريّة المتعددة لا تساهم فقط بزيادة جمال العمل لكنّها أحد الأساسيّات المهمّة في إيصال رسالته وتوضيح هدفه القصصي وجعله ممتعاً أكثر للمتابع:

تصميم الشّخصيّات/Character Designs والـ Personality traits:

أحد الجّوانب المستهان بها كثيراً. تصاميم الشّخصيّات لا تلعب دوراً أساسيّاً فقط في وصف الشّخصيّة ذاتها بل كذلك أهميّة أساسيّة في إمكانيّة تحريكه.

التصميم ليس مجرّد وضع أفكار في جسد أو شيء يبدو “كول” بل عليه أن يعكس تلك الأفكار. أن تكون الشّخصية قويّة أو معجبة بالموسيقى أو طالبة مدرسة أو الخ. هذه الصّفات يتم دمجها بصلب التصميم، طريقة وقوف الشّخصية، حركاتها البسيطة أو قطع صغيرة.

فالننظر مثلاً إلى بضعة تصاميم من أنمي Kiznaiver:

ما الّذي يمكنك فهمه من هذه الزّوايا والتّعابير الخاصّة بالشّخصيّة؟

يمكنك التّفكير بالموضوع لبرهة. بالنّسبة لي يمكنني استخراج العديد من الصّفات هنا، الشّخصيّة بالكاد تصنع أي تعابير أو مشاعر ما يدل على كونه متبلّد ولا يبادر في طرح أفكاره. بؤبؤ العين دائماً ما يتم تغطية طرفه العلوي من الجفن ولا يتغير هذا أبداً في التّصاميم ما يدل على عدم اكتراثه بما يحدث حوله. لون شعر الشّخصيّة الأبيض يميّزه عمّا حوله ما يعطيني تلميحاً بكونه شخصية بصفات “مميّزة أو خارقة” في سياق القصّة. أول صورتين في الأعلى (على اليسار) مجرّدتان من كل المشاعر الممكنة ومشابه للصور التي تؤخذ بالسجن ما يدل على كونه سجياً لشيء أو فكرةٍ ما (ربما ماضي تراجيدي؟). قميصه و عقدة عنقه يدلان على كونه مهذّب ومطيع بشكلٍ خاص. لا يوجد الكثير من الدّلائل على عمره لكنّي أستطيع توقّع كونه مراهق.

يمكنك رؤية الفرق هنا اليس كذلك؟

الصّفات الكثيرة التي تُبديها الشّخصية تعود لكونها مرحة، لعوبة قليلاً و مسالمة بشكلٍ أو بآخر. لاحظ التعابير التي تعمد إظهار كامل بؤبؤ العين لإيضاح التّغير الكبير الذّي يطرأ على مشاعرها يمكنني توقّع كونها شخصية متقلّبة عاطفيّاً. الشخصية تقوم بربط شعرها ولا تتركه يتدلى تحت العنق، عادة ما يتم ربط فكرة الشعر الطويل المتدلي الأنيق بالـ أميرة والنبل هنا نلاحظ إظهار الشّخصية بأكبر بساطة الممكنة. اللون الأحمر يعكس كون الشّخصيّة غير متّزنة عاطفياً وتخفي مشاعرها (لست ماهراً كثيراً في نظرية الألوان لكن تستطيع المقارنة مع شخصية أسوكا من إيفانجليون التي تم ترميزها تماماً باللون الأحمر في الملابس والآلة وكل شيء). اللباس يدمج الأناقة البسيطة و لا يبالغ في الرتابة كما في السّابق.

بالطبع قارن هنا مع باقي طاقم الشّخصيات:

ما هو الأهم والجّدير بالذّكر أكثر هو تميّز هذه التّصاميم. بينما لا شك أنّ إضافة كل تلك العناصر المميزة للشّخصيات تضيف الكثير لشخصيّتها ولفهمك لها. أن تصنع شخصيّاتٍ ذات مظهر فريد ورائع يزيد كذلك من اهتمام المتابع بها وهو ما حصل هنا. الشّخصيات من تصميم Miwa Shirow مؤلّف مانغا باسم Dogs. العديد من تصاميمه تنبض بالحياة وريشته لا تزال واضحة بها. تصميم الشعر وتميّزه مع إضافة التّفاصيل الكثيرة للشّخصية وقابليّة تحريكها هو ما يجعل هذه أحد أفضل التصاميم التي مرّت علي والّتي كانت سبباً كافيا لجعلي أهتم كثيرا بالعمل نفسه قصصياً.

فالنستعرض كذلك مثالين آخرين، أحدهما سيّء والآخر ممتاز:

هذا تصميم شخصيّة Ayato من أنمي The asterisk war. ما الّذي يمكنك رؤيته هنا؟

لا شيء! بالنّسبة لي الشّخصية فارغة من كل شيء. قد تظن أنّي اخترت صورة معيّنة لا تُظهر الشّخصيّة بشكل عادل لكن ابحث على الغوعل وستكتشف أنّ هذا هو كل ما يوجد هنا.

تصميم الشّخصيّة لا يقول شيئاً عن صفاتها. تعابير الوجه تدل على كونه يغضب و يكون سعيداً أحياناً. لون الشّعر عشوائي وغير متناسب أبداً مع مظهره. تصميم الملابس مستقبلي خالي من التّفاصيل ذات المعنى وقبيح جدّاً.

حتّى على صعيد تفّرده فيوجد مئات التّصاميم المشابهة له. لا توجد أي ريشة فنّان واضحة هنا ويمكنني القول أنّه Prepackaged بكل معنى الكلمة:

التّصميم الممتاز من Gurren Lagann:

تكلّمت عنها سابقاً بالتّفصيل هنا، عبقريّة هذه التّصاميم تقع في البساطة والأيقونيّة. التّصاميم نفسها بسيطة إلى حدٍّ كبير لكنّها مليئة بالقطع والّلمسات الصّغيرة الّتي لن تجعلك تنساها وتساهم كثيراً في تكوين الشّخصيّة نفسها. إذا ما شاهدت في مكانٍ ما نظارات كامينا أو ملابس كيوكو ستتذكّر الشّخصيّة مباشرةً.

الآرت ستايل/ِArt style وأهميّة الـ Aesthetic في العرض القصصي:

الآرت ستايل هو أسهل ما يمكن لأي متابع تمييزه. التّنوّع الهائل الذي توفّره ميديا الأنمي في هذا المجال عظيم ويضيف نكهة خاصة للعديد الأنميات (عادة ما تكون من تصميم المخرج ونظرته الفنّية). قد يتنوّع الآرت ستايل من الواقعيّة إلى الهزليّة أو حتّى القبح المتعمّد ولا حدود لما يمكن الوصول إليه هنا. وبينما في هذا المجال قيمة جماليّة (Aesthetic) عالية جداً في جذب المتابع فلهذا كذلك قيمة قصصية هائلة.

فالنأخذ مثالاً لتوضيح هذا من أنمي Kabaneri and the iron fortress :

ألم تشاهد الأنمي أو تسمع عنه؟ حسناً ببساطة تدور قصة كاباناري حول عالم Post-apocalyptic (ما بعد حدوث مصيبة ضخمة) ويصور حياة البشر بعد تراجع أعدادهم جراء فيروس يحولهم إلى كائنات مشابهة للـ “زومبي” فتحصّنت البشرية في أماكن خاصّة لتستطيع النجاة إلى أن حدثت مصيبة أخرى!

مشابهة لأنمي الهجوم على العمالقة أليس كذلك؟ حقيقة أنّه من فريق العمل ذاته تقريباً فالأمر متوقّع نوعاً ما. لكن ما يميّز هذا العمل هو “إلى أي مرحلة ستكون مستعداً أن تدفع بالجودة البصرية لصالح بناء تجربة للمتابع؟”

يمكننا تلخيص ثيمات هذا العمل وعالمه في بضعة كلمات: زومبي، رعب، بيئة تقليديّة قديمة، تربة، أسلحة قديمة الطراز، معدن كثير .. ألخ. هذه الكلمات التي تصف بيئة العمل كانت واضحة بشكلٍ كبير. كل هذا يخدم فكرة بناء تجربة مشابهة لأنميات التسعينات (بتصاميم شخصيّات مشابهة)  مع تصوير خطر الزومبي والرعب باسلوب قديم الطراز وتقليدي كذلك:

الآن مع كل هذه المحاولة لصقل العرض في الأنمي وإدخال كافة أنواع المشاعر والأحاسيس المناسبة لبيئته وفكرة الزومبيز في صورته. لابدّ وأنّ العاملين عليه سألوا أنفسهم: كيف يمكننا أن نصل إلى مستوى أعلى من هذا؟ كيف يمكننا الانتقال إلى شيء على صعيد مختلف تماماً لنضيف شعوراً أقوى على القصة وجعلها بقمّة الجمال؟ الجواب يكمن في هذا:


المكياج!! نعم قام فريق العمل بتوظيف متخصصي مكياج لإضافة كل الظلال والاضاءة الصحيحة والتعابير للوجوه ونقلها إلى مستوى آخر تماماً. تصاميم الشخصيات الأصلية من عمل Mikimoto Haruhiko وهو مختص بالتصاميم الثمانينيّة كثيرة التفاصيل كتصاميم سلسلة ماكروس.

فإضافة عناصر المكياج الأساسيّة لتصاميم واقعيّة كهذه صنع شيئاً لن تشاهده كل يوم. الأمر يتوسّع بالطبع ليشمل بيئة العمل كاملا والكثير من اللقطات الاخراجية العظيمة.

كل هذه الأفكار وأكثر دخلت في صناعة الآرت ستايل بالأنمي واتّخاذ القرارات الفنّية الخاصّة به، لكنّها لم تكن فقط للمتعة البصرية أو لصناعة شيء “جميل” فقط بل لها معنى يُبرز قصّة الأنمي نفسه وعالمه. في النّهاية أن تبني قصة هو أن تصنع تجربة للمتابع وهذه التّجربة ليست مجرّد شيء قصصي ينتقل بالحوارات بل كذلك بما تشاهد وما تشعر به خلال مشاهدتك للعمل.

بالطّبع في حالة كاباناري لم تكن جودة العمل الكتابيّة عالية أساساً فلا ألوم من لم يحب العمل لكن لا أزال أرى قيمة في محاولة فريق العمل الضّخمة هذه وما استطاع إيصاله في مرئيّاته. هو صنع تجربة فريدة وممتعة في النّهاية وهذا ما تهدف إليه هذه الأعمال عادة.

للأسف أرى كذلك العديد من سوء الفهم أو الحكم المسبق في هذا المجال عادة بالإشارة إلى أعمال ممتازة خرجت عن السرب في الآرت ستايل الخاص بها مثل Mob psycho 100 و Kaiba والّتي توصف في بعض الأحيان بالـ “رسم البشع” فقط لأنّها أخذت أشياء مبسّطة أكثر أو مثل Aku no hana فقط لأنّها اتّخذت من الـ “بشاعة” ثيماً ودمجته بالآرت ستايل. للأسف لا أستطيع توضيح كل هذا في هذا المقال. يمكنك قراءة القليل عمّا أعنيه في مقالي عن Mob psycho 100.

الإخراج وتصميم المشاهد/Storyboarding ما يتم نقله بدون وعي:

هذه الفقرة هي الأصعب للشرح والأكثر تشابك وتعقيداً بنظري. السبب يعود إلى أنّها أقل ما ينتبه عليه المتابع العادي نفسه بينما يطوّر المتابع الطويل والمهتم بالتّحليل بالمجمل شعوراً اتجاهها. كلا المتابعين سيحصلان على التّجربة ذاتها لكنّ الاختلاف يقع في إذا ما كان المتابع واعٍ لهذا أو لا.

ما هو الـ Storyboarding ؟ هي أحد المراحل الأساسيّة في صناعة حلقة أنمي. يقوم بها فنان الستوريبوردينغ (عادة ما يكون المخرج هو المسؤول عن هذا، وأحياناً يعود الأمر لمخرجي الحلقات أو فنانين مختصّين) برسم العديد من المشاهد البسيطة غير المنتهية لشكل مشهد معين مع الانتقالات بالكاميرا و موضع الشخصيّات في كل لقطة، يمكنك القول أنّها مرحلة التّخطيط وتصميم المشهد قبل تنفيذه وتحريكه. مثال بسيط من ناروتو :

كما تلاحظ لا يوجد اهتمام كبير لرسم الشخصيات ذاتها او كيف تبدو. الأكثر أهميّة هو موضع الشخصيات شكل المشهد وزاوية الكاميرا مع ملاحظات جانبيّة هامّة. هذه العمليّة ليست شيئاً ميكانيكيّاً على الإطلاق إنّما عملية إبداعيّة ولها كذلك أهميّة عالية فيما تكلّمت عنه سابقاً عن صناعة مشاهد تتواصل وتنقل القصّة ذاتها و”شعور المشهد”.

لتوضيح هذا سأقوم بتحليل بسيط لمشهد من Fate/Zero الحلقة الأولى ومقارنته مع مشهد من Sword art online الجزء الثاني الحلقة الأولى. المقارنة ليست مباشرة بل تهدف لرؤية كيف قام كلا العملين بالتعامل مع مشاهدهم بصرياً وكيف أضاف هذا لتجربة المتابع. كلا العملين مقتبسان من Light novel وكلا الحلقتين يهدفان لبناء وشرح قواعد ومجريات الحلقات القادمة وتحتوي على الكثير من الـ Exposition (المشاهد التي تهدف لشرح نقاط أساسيّة تعتمد عليها القصّة للمشاهد عن طريق الكلام بين الشّخصيّات أو المعلّق):

المشهد الأول من فيت زيرو (أنصح بمشاهدته لمرّة قبل إكمال القراءة، المقطع مدبلج لسبب مقصود سيتوضّح فيما بعد):

مع الاستعداد لبداية الحرب المقدّسة في عالم فيت زيرو يتم توظيف الحلقة الأولى كاملة للشرح ووضع المعلومات المهمّة للمشاهد. هذه الحلقة تعمل بشكل أساسي على أنّها Set up لما سيأتي فيما بعد لكنّ ما سأناقشه هو لماذا هذه المشاهد حتّى ولو أنهّا مجرد اعطاء معلومات للمتابع نجحت بأن تكون إضافة عظيمة للقصة وشعور الحلقة وكونها ممتعة حتّى للمشاهدة. السبب كاملاً عائد للإخراج وبناء المشهد العظيم.

في هذا المشهد بعد أن حصلنا على مقدّمة بسيطة لكيريتسجو و كيري كأشخاص فسيبدأ البناء للمعركة الكبرى وبناء الـ Forshadowing لما سيأتي لاحقاً. لذلك كان “التعاكس” هو ثيم المشهد الأساسي. الأبيض والأسود، الخير والشر، التكنولوجيا والسحر. هذه المتعاكسات تم استخدامها بشكلٍ عظيمٍ لبناء مشهد ممتع وذو قيمة للمشاهد، شاهد ما يلي:

الألوان الزرقاء الفاتحة مع استخدام الأجهزة الميكانيكيّة المكثّف في البحث والتواصل. البيئة لا تزال تشير إلى السّحر والعصر القديم بالزّخرفة والشّموع على الحائط لكنّها كذلك محدّثة بالتكنولوجيا. انعكاس بسيط لشخصيّة كيريتسجو.

في المقابل ما نراه هنا هو قبو مملوء بالشموع. لا توجد أي إضاءة خارجيّة واللّون الأحمر يعم المشهد كاملاً. الورق والكتب القديمة مبعثرة هنا وهناك مع أدوات نصف آلية تعمل بقوّة السّحر. انعكاس كذلك لشخصيّة كيري.

التعاكس بين هاتين البيئتين يلم عن فهم أساسي من العاملين على ما يجب أن تصنع لتلفت نظر المتابع. الأمر كذلك يتوسّع للزّوايا:

كيريتسجو يحصل على الزاوية الأماميّة لعرض الوجه من قريب (شيء ستلاحظه كثيراً في أعمال المخرج Aoki Ei) وعلى زاوية حيث يلتفت إلى الجهة اليسار. أعد مشاهدة المشهد وستجد هذا دائماً.

في المقابل يحصل كيري على زاوية يلتفت بها إلى اليمين أو على زوايا بعيدة من الجّهة الخلفيّة. كيريتسجو وكيري لا يظهران أبداً بلقطتين متتاليتين بذات الاتجاه.

اللّقطة الوحيدة التي يتّجهان بها لزاوية معاكسة للسابق هي هذه:

وإذا ما أخذنا نظرة على الحوارات بهما، فهما يتكلّمان عن تشابههما بالذّات عكس باقي الحوارات بالمشهد في السّابق. هذه اللّعبة بين التّعاكس والتّشابه هي الثيم الخاص بهذا المشهد وتم إيصاله بشكل عظيم بسبب اهتمام بسيط في البيئة والزوايا الخاصّة لعرض الشّخصيّات. 

الأمر لا يتوقّف هنا بالتّأكيد فهذا المشهد كذلك يوفّر للمتابع متعة بصريّة كبيرة. بين الانتقال في بيئتين متعاكستين ومثيرتين للاهتمام. الشخصيّات ليست ثابتة بل تتحرك أمام الكاميرا وتغير وضعيتها بشكلٍ دائم. لن تشعر أبداً بأنّك تشاهد Info dump (رمي حوارات عشوائي) في الحلقة وهي تأخذ قسم صغير من الحلقة ذاتها (6 دقائق من أصل 48 دقيقة) قبل الانتقال للمشهد التالي والبيئة المختلفة. التركيز على التّفاصيل واستخدام الزّوايا القريبة الفريدة يعجبني كذلك.

فالنأخذ الآن نظرة على هذا المشهد من سورد آرت أونلاين:

في الحلقة الأولى من سورد آرت أونلاين الجزء الثاني ندخل في آرك الـ GGO حيث تحدث عمليات قتل مريبة في لعبة أخرى تسمّى Gun gale online وللتّحري يتم طلب كيريتو من قبل أحد الرجال المشاركين بالتحقيق للبحث في هذا الشّأن من داخل اللعبة. هذا المشهد يعتني بشرح مهمّة كيريتو في الآرك كاملاً.

ما الّذي تشاهده هنا؟ المشهد بالنّسبة لي ميّت تماماً وهو تكرار للكثير من المشاكل الاخراجية التي شاهدتها مراراً وتكراراً. لكن دعنا لا نستعجل هنا ونحلل المشهد برويّة كما فعلا في مشهد فيت زيرو.

أولاً البيئة .. حسناً قد لا أبالغ بالقول أنّ هذه أفظع مشكلة بالمشهد كاملاً. مشاهد المقاهي هي أسهل ما يمكن لأي مخرج التفكير به عند الاحتياج لصناعة مشهد يشرح أحداث وقواعد القصّة المقبلة. أن تقابل أصحابك في مقهى لتتكلّم عن شيء ما هو شيء اعتيادي. لكن دمجه في عمل خيالي وفي الحلقة الأولى التي تهدف دائماً لجذب المتابع ولمدّة تتجاوز العشر دقائق أي نصف الحلقة!! الأمر يتحوّل إلى مصيبة بسرعة قصوى ولا أستغرب إذا ما قمت بعمل دروب مباشر للأنمي بعد هذا المشهد.

المضحك في الموضوع هو أنّ أحد المحللين قام بعدّ مشاهد المقاهي في هذا الآرك فقط من سورد آرت أونلاين وعثر على ما يتجاوز العشرة مشاهد طويلة لشرح القصة تدور في مقهى!!

لكن المشكلة ليست فكرة المقهى أكثر من كونها مجرد أسلوب كسول. تخيّل هذا اللقاء في مقهى متنوّع أكثر وببيئة راقية مثيرة للاهتمام:

وبالمناسبة وضع أجهزة تبدو اسوء من الآيباد الجديد في عالم أنمي “مستقبلي” لا يساعد أبداً في بنائه:

حسناً فالننتقل لاختيار الزوايا. جميع الاختيارات بنظري تعتمد على النظام المعتاد في التنقل بين طرفي النقاش في اليمين واليسار:

هناك بعض التغييرات طبعا بين كل زاوية، لكن لا شيء خاص. الشخصيّات تحرّك فمها لإيصال الجملة للمتابع وهذا سبب وجودها على الشاشة. لا يوجد إضافات وأظن أنّ قراءة الرواية نفسها سيعطيك القيمة ذاتها وبوقتٍ أقل.

حاول المخرج تعديل هذا الرتم الممل بإضافة بضعة مشاهد من العدم لتصوّر ما تتكلم عنه الشّخصيات:

مسدّس للإشارة إلى Death gun.. وهناك العديد منها وهي تعتمد اسلوب مباشر مثل (الاحمر للإشارة للدم والخطر) وهكذا. لاأزال أجدها مملة جداً ومجرد لقطات لقتل التبديل المتكرر بين الشخصيتين عند الكلام.

اللقطة الوحيدة المقبولة هنا كانت هذه:

لقطة ساكوغا جيّدة تصوّر ال Villian وهو يتشكّل ويطلع رصاصة. الرصاصة تصبح سي جي وتطير كالبعوضة لتضرب الهدف. من أفضل لقطات سورد آرت أونلاين الكوميدية حقّاً!

بالمجمل هدفي هنا ليس مهاجمة عمل معيّن بالطبع بل محاولة إيضاح فكرة ما يعنيه أن تقوم بعمل ستوريبوردينغ مثير للاهتمام وتدمجه بخلفيات وبيئة ممتعة وكيف يضيف هذا على شعور العمل وقصّته ويتواصل بصريّاً معك كمشاهد. هناك فرق كبير بين ديناميكيّة عرض فيت زيرو وبين رمي الحوارات (Info dump) الموجود في سورد ارت اونلاين. لا شيء عشوائي في الاخراج ولا يجب أن يتم رمي الشّخصيّات على الشّاشة لإيصال حوارات فقط.

المشكلة التي تحصل أحياناً عند متابعة أنمي هي قراءة الترجمة وكيف تتحول هذه المشاهد إلى سباق قراءة مع المشاهد. لا يجب أن تكون الأمور هكذا لذلك وضعت الفيديوهات في الأعلى بدبلجة انكليزية لتقوم بتجربتها بشكل مختلف وتشاهد الشخصيّات خلال كلامها.

سأتوقّف عند هذا الجّانب في العالم الواسع للـ “رسم”. بالطّبع لا يزال هناك الكثير ممّا أريد تغطيه لكنّي سأترك هذا لمقالات أخرى.

أن “تشاهد” أنمي ..

لابدّ وأنّك تتساءل الآن: هل يجب عليّ أن أكون ملمّاً بكافّة هذه المواضيع والتحليلات وهكذا لأشاهد أنمي وأستمتع به؟ بالطّبع لا، ذكرت سابقاً أنّ الفرق عادة ليس التّجربة بل وعي المتابع بها وفي هذا اختلاف كبير.

أي متابع سيحصل على ما ذكرته في الأعلى. سيشاهد هذه الشّخصيات والمشاهد ويحصل على الانطباع الّذي ذكرته عن كونها مثيرة للاهتمام وديناميكيّة وتضيف لشخصيّات العمل لكنّها ستبقى في اللاوعي كونها انتقلت بصريّاً وتحويل هذه التّجربة البصريّة لكلمات صعب فيكتفي بالتكلّم عن قصّة العمل المباشرة وإذا ما كانت الرسومات جميلة أو لا. لا أظن أنّ في هذا مشكلة لكن هناك عالم كامل من الاحترافيّة في المشاهد السينمائيّة التي تحصل عليها دائماً بدون وعي وتضيف كثيراً على تجربتك.

التّنبيه على هذه النّقطة هو هدفي وعملي نوعاً ما هنا. هل أصبح لديك اهتمام بهذا الجّانب وتريد معرفة أكثر عن الجوانب البصريّة في الانمي؟ يمكنك متابعة بعض مقالاتي الأخرى في الموقع، كذلك سأنصح بمشاهدة قناة The canipa effect على اليوتيوب.

نظرة شخصيّة للأنمي كـ فن

الأمر الّذي جعلني أتردد قليلاً في كتابة هذا المقال هو أنّي قد أساهم بنشر فكرة أعارضها شخصيّاً  وهي فكرة “عناصر” الأنمي. ربّما تحصل على إنطباع من كلامي السّابق على أنّ الأنمي مقسّم دائماً إلى عناصر مثل القصة والرسومات وتصاميم الشخصيّات والإخراج وهكذا. هذا صحيح عندما نتكلّم عن القالب المنتشر لكنّه خاطئ تماماً عند النّظر بشكل عام لكل شيء في الميديا هذه.

بالنّسبة لي، لا استطيع النّظر للأنمي كميديا إلّا على أنّها ميديا فنّية، هدفها إيصال رسالة أو فكرة أو اختبار مجموعة أفكار في بيئة معيّنة. بالتّأكيد هي ميديا “ترفيهيّة” لكن هذا لا يزيل عنها القيمة الفكريّة (Intellectual value) التي تحملها. أن تُكمل إيصال رسالتك المهمّة وذات القيمة مع إبقاء المتابع مهتمّاً ومندمجاً هو ما يعنيه أن تصنع عملاً فنيّاً ناجحاً في هذه الميديا بنظري.

لهذا السّبب لطالما كرهت أسلوب بعض النّقاد أو حتّى النّقد التقليدي بالمجمل. ذاك الأسلوب الّذي يعمد إلى تفكيك عمل ما ومعالجة عناصره بشكلٍ مستقل مع تطبيق “قواعد” أكاديميّة أو ما هنالك إلى عملٍ فنّي وما ينتج عنه من إساءة فهم.

دعني أوضّح شيئاً مهماً في هذا السّياق، الـ “قواعد” الّتي لطالما يُنظر لها على أنّها معايير جودة هي مجرّد اشتقاق من العمل نفسه لمحاولة فهمه. أن يتم توظيفها بشكلٍ شاملٍ على جميع المعايير وكأنّ على العمل إكمال قائمة مهمّات هو أسوء ما يمكن أن يحصل لأي ميديا فنّية إذا ما سارت بهذا الاتّجاه وما سينتج عنها هو قولبة أعمال كثيرة لمحاولة إرضاء جمهور معيّن بينما تفرغ الأعمال من معانيها الحقيقيّة. يمكنك النّظر إلى ميديا أخرى واختبار هذه الفكرة والنّظر إلى الرّوتينيّة التي وصلت لها (وربّما تتحول لها صناعة الأنمي حاليّاً).

إذاً هل هذا يعني نبذ كل ما يحاول تحليل عمل معيّن بتفكيكه؟ بالتّأكيد لا، كما قلت الـ “قواعد” هي إشتقاق من العمل نفسه وإذا ما تم النّظر لها ضمن السّياق الكامل ومع فهم أساسي لرسالة أو فكرة العمل نستطيع بناء تحليلٍ منطقيٍّ جداً وفعّال. لهذا السّبب في كل سياق Context matters.

سأدع الأمر هنا لك لتفكّر. هل تظن أنّ هذه الأعمال تستحق فعلاً هذا التّفكير والتّحليل؟ أكتب آراءك في التّعليقات وشكراً على قراءتك لهذا المقال الطويل.

11
اترك تعليق

avatar
4 Comment threads
7 Thread replies
6 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
6 Comment authors
سارةMaher RayesItachi_samaامينKill! Kill Recent comment authors
  Subscribe  
الأحدث الأقدم
نبّهني عن
محمد
ضيف
محمد

بصراحة مسلسل كبناري من الانميات المظلومة
فقط لأنه ظهر على حساب الهجوم على العمالقة

Kill! Kill
عضو

تنصح به

امين
ضيف

لكن القصة غير كاملة بل يجب عليك مشاهدة افلامها لانهاء القصة لهذا يستحق الظلم و الكره

امين
ضيف

هناك بعض الانميات التي رسمها و التحريك سيئ لكنها توصل لك الفكرة مهما كانت عميقة و غامضة

Itachi_sama
ضيف
Itachi_sama

مقال شاامل ورائع للغاية …لا اخفيك شاهدة سورد ارت منذ ثلاث سنوات..والى الأن أذكر فضاعة هذا المشهد الذي حملني على عدم التركيز بالحوار حتى..لحظة ملل اتمنى ان لاتتكرر علي💔اعجبتني المقالة جدا واروع موقع قد دخلت عليه الاطلاق

سارة
ضيف
سارة

شكرا على هذا المقال و على حسب رأيي لاأفضل التعمق كثيرا لأني بهذه الطريقة لن أستطيع الاستمتاع بالانمي
وشكرا