إنتاج بيستارز واستديو Orange: التّطبيق الأفضل للسي جي في ساحة الأنمي التّلفزيوني

تحليل للإنتاج الممتاز الخاص بأنمي بيستارز مع نظرة عامّة على وضع السي جي في صناعة الأنمي وبالذّات استديو أورانج

تكلّمت في مقالي السّابق عن المعاني الضمنيّة الّتي يعرضها أنمي بيستارز في قصّة قد تبدو بسيطة من أوّل نظرة لكنّها تخفي الكثير من النقاط المثيرة للاهتمام في نظرتها للمجتمع وارتباطها بالمتابع. لكنّ التّوقّف عند هذه النّقطة ليس عادلاًَ تماماً اتجّاه الأنمي. فالعمل لا يزال يخفي الكثير من الحِرَفيّة الممتازة في طريقة اقتباسه للمانغا والعمل المضني من فريق العمل لنقله لوسط الأنيميشن بأفضل شكل ممكن. لذلك موضوعنا في هذا المقال عن إنتاج أنمي بيستارز وقضيّة السّي جي في الأنمي.

(لا يجب قراءة المقال السّابق لفهم هذا المقال، كما أنّه لا يوجد حرق لأحداث مهمّة في الأنمي سوى في الفيديوهات)

قضيّة السي جي في صناعة الأنمي أصبحت مشهورة جدّاً بعد العديد من اقتباسات الأنمي الّتي قامت بتوظيفها بشكلٍ جزئيٍّ أو كلّيٍ. مع النّتائج الفظيعة الّتي حصلت من هذا النّوع من الاقتباسات واستخدامها كطريقة لتوفير المال أصبح استخدام السي جي في الأنمي مكروهاً بشكلٍ كبيرٍ بين المتابعين. لكنّي أرى الموضوع من منظورٍ مختلفٍ قليلاً، فالسي جي يبقى مجرّد أداة ووسيلة لنهاية معيّنة ومثالنا هنا سيوضّح الأمر بطريقة مختلفة. لكن فالنبدأ من بعض الأساسيّات.

ماذا يعني أن تقتِبسَ عملاً ما

المصدر الأساسي لمعظم أعمال الأنمي في السّنوات الأخيرة هو اقتباس لمصدر آخر (مانغا/رواية/لعبة/رواية صوتيّة/ألخ). السّبب يرجع إلى وجود شعبيّة مسبقة للعمل تعمل كـ تسويق مجّاني له وتساعده على النّجاح في المبيعات بسهولة فائقة. إضافةً إلى سهولة الاقتباس من بعض المصادر مثل المانغا الّتي تحتوي بالفعل على تصاميم شخصيّات أوّليّة جاهزة وسكربت أوّلي جاهز والعديد من تصاميم المشاهد القابلة لإعادة الاستخدام.

شيوع هذه الطّريقة الحرفيّة في الاقتباس ساعد في نشر فكرة قد تبدو صحيحة لوهلة أولى لكنّها تخفي العديد من المشاكل في طيّاتها وهي أنّ على الاقتباس المحاولة دائماً لنقل كل ما يمتلكه المصدر بطريقة حرفيّة مع إضافة بعض الألوان وبعض الأنيميشن الّذي يربط مشاهد المانغا ببعضها.

المشكلة في هذه الفكرة تعود إلى نظرة خاطئة على وسط الأنمي بشكل عام. امتلاك العديد من الطّرق لنقل الأفكار (أصوات، ألوان، أنيميشن، ربط مشاهد بطرق عديدة، ألخ) يعني امتلاك الكثير من الطّرق الّتي لا يمتلكها المصدر أساساً لنقلها. بالتّالي ففريق العمل يستطيع (ويجب عليه) تحويل هذه المشاهد لتتناسب مع وسط الأنمي بالطّريقة الّتي يراها المخرج وهذا قد يعني إعادة تخيّل للكثير من المشاهد أو الحوارات وحتّى المظهر العام للعمل. هذا -إن استُخدم بطريقة صحيحة- يرفع العمل إلى مستويات جديدة من التميّز ويقدّم تجربة فريدة جدّاً للمتابع بدل التشبّث الأعمى بالمصدر.

ما أحاول إيصاله هنا هو أنّ العمل المُقتبس من مصدر معيّن لا يحمل أي التزامات بالمصدر نفسه ويجب اعتباره منتجاً جديداً بحكم دخول الكثير من العاملين الجدد عليه بدل المؤلّف الأصلي فقط والمخرج هنا له النّظرة الأساسيّة في النّتيجة الأخيرة. (سأتكلّم بشكلٍ أوسع عن هذا الموضوع والمشاكل الّتي تنتج عن الاقتباس الحرفي بالمصدر في مقالٍ آخر بإذن الله)

هذه النّقطة هي الّتي بنت الأساس الّذي جعل بيستارز اقتباساً ممتازاً. معظم ما تشاهده في الحلقات ليس مبني على فكرة “كيف أنسخ كل ما في هذا الشابتر إلى الأنمي” بل “كيف أعيد تخيّل هذا المشهد ليناسب وسط الأنمي والأدوات الّتي أملكها لإيصال شعور مشابه”. معظم ما تشاهده في بيستارز هو Storyboard (تصميم مشاهد) جديد تماماً غير منقول من المانغا مع الكثير من التنقّلات المبتكرة. ولو تم نسخ المانغا إلى الأنمي ستجد نتائج سيئة جدّاً لعدّة أسباب أهمّها طبيعة الـ Art Style في المانغا، وهي نقطتي التّالية.

مانغا بيستارز والأسلوب الخشن الفضفاض

بدأ نشر مانغا بيستارز في نهاية 2016 وهي من تأليف ورسم الفنّانة Itagaki Paru. منذ بداية المانغا كان نقل الشخصيّات بهذا الشّكل الواقع بين البشر والحيوان صعب ولكنّ أسلوب ايتاغاكي كان قوي كفاية ليصنع مظهرا متماسكاً فريداً جدّاً للمانغا.

رسومات المانغا وطريقة نقل تعابير الشخصيات مشابهة قليلاً للكاريكاتير بنظري. المبالغات الكثيرة في بعض أقسام الوجوه هو ما يجعلني أشعر بهذه الطّريقة اتّجاهه. لكنّ هذا لا يتوقّف هنا بل يتوسّع لأسلوب خشن كثيراً في الرّسم مع خطوط كثيفة تتحكّم بالمشهد كاملاً. الكثير من التّفاصيل في الثّياب مع اهتمام بجانب الموضة الخاص فيها والاهم من هذا كلّه طريقة لا أستطيع وصفها سوى بالـ “فضفاضة” في إيصال شكل الشخصيّة العام، إذ -في الكثير من المشاهد- لا يوجد شكل صلب للشخصيّة ذاتها بل تتغيّر بناء على الشّعور الّذي يحاول المشهد إيصاله مستفيدةً بذلك من الفرو الخاص بالشخصيّة:

تستغل ايتاكاغي كذلك التّبسيط بطريقة عظيمة في المشاهد الواسعة الّتي تمتلك العديد من الشخصيّات بوقتٍ واحد. جميع شخصيّاتها تمتلك مظهراً مبسّطاً لجزء يصل إلى العيون والشكل العام فقط وتستخدم هذا حتّى بطريقة هزليّة مضحكة لمشاهد أخرى:

شكل الشخصيّات الفريد العائد إلى طبيعتها الحيوانيّة يعطي الرسّام حريّة كبيرة في التبسيط بدون فقدان أي علامة مميّزة للشخصيّة. هذه علامة كبيرة لتصميم شخصيّات ممتاز وهذا كلّه بدون فقدان عامل التميّز الّذي ينعكس بموضة الشخصيّات المشابهة جزئيّاً لعالم جوجو (بدرجة أقل).

كل ما ذكرته سابقاً يجعل الاقتباس أصعب بمراحل. التفاصيل الكثيفة تسبب مشاكل أثناء التّحريك لكن بدونها ستحصل على مظهر عادي جدّاً أثناء اللحظات الجادّة. أضف إلى ذلك شكل الشخصيّات المتغيّر بناءً على الأتموسفير العام للمشهد والخطوط الخارجيّة الّتي لا تصلح للتحريك ستجد عملاً اقتباسه بشكلٍ يجعل تجربته تتفوّق على المصدر بنفس المجال البصري شبه مستحيل. فالحل الوحيد القابل للتنفيذ هنا هو النظر إلى المانغا من منظور مختلف. اقتبس العمل كـ أنمي وليس نسخة متحرّكة من المانغا واستخدم الأدوات الّتي تبرع فيها. لكن ما هي الأدوات الّتي يبرع فيها استديو أورانج؟

استديو أورانج والسعي إلى السي جي المثالي

بدأ Eiji Inomoto مسيرته في صناعة الترفيه كمساعد لأحد المانغاكاز بعد ملله الكبير من عمله السّابق في الالكترونيّات. استمرّ ايجي في عمله هذا إلى أن بدأ يهتم أكثر بصناعة السي جي وما تستطيع نقله بالرّسومات ثلاثيّة الأبعاد في بداية ال 2000. بدأ ايجي عمله في هذا المجال كرسّام أنيميشن ثلاثي الأبعاد وأخذ يقوم بتجريب العديد من الأساليب للتعامل معها في الأعمال الّتي شارك فيها (أشهرها Ghost in the Shell: Stand Alone Complex). حيث اكتسب شهرة من عمله في تلك الفترة بين رسّامين السي جي.

في عام الـ 2004 قرر ايجي صناعة استديو يختصّ بالسي جي باسم استديو أورانج وعمل مع العديد من الشركات وساهم في انتاج السي جي للعديد من الأنميّات. كلها تحت هدفٍ واحد لصناعة عمل سي جي كامل يغيّر فيها آراء المتابعين عن هذا المجال. في عام الـ 2017 بدأ عرض أنمي Land of the Lustrous مع ايجي كمخرج سي جي وقد وضع نتيجة هذه الـ 15 سنة من الخبرة والتعب فيه.

Land of the Lustrous كان تجربة فريدة من نوعها على العديد من الأصعدة وبنظري المحاولة الأولى النّاجحة تماماً بصناعة أنمي سي جي تلفزيوني يتخطّى ما يمكنك صناعته بالرسم التقليدي. ما ساهم في هذا هو طبيعة العمل نفسه إضافة إلى الفريق المتمرّس بهذه الأعمال في استديو Orange.

يوجد العديد من الجّوانب الممتازة في Land of the Lustrous لكن أوضحها هو نقل تعابير الشّخصيّات والّذي يعتبر المشكلة الأساسية الّتي تدفع أعمال السي جي للوراء. التصاميم ثلاثيّة الأبعاد تظهر بشكل بلاستيكي مع تعابير وجوه ميّتة تماماً (وهو ما يمكنك مشاهدته في أعمال استديو Polygon). لكن في Land of the Lustrous الشخصيّات كانت حيّة بشكلٍ لا يمكن تصديقه. هذا يعود إلى تطوير Cel shading عظيم (أسلوب تحكّم بالإضاءة الحاسوبيّة تظهر فيه الشخصيّات كرتونيّة الشكل بعد عمليّة الـ Rendering). إضافةً إلى هذا تم استخدام الكثير من الرّسم التقليدي لدعم هذه التصاميم خصوصاً الوجوه لتظهر بشكلٍ صحيحٍ في بيئتها.

هذا العمل كان الشّيء الّذي ألهم العاملين على فلم مارفل المشهور Spiderman: into the spiderverse بالخروج بمظهر فلمهم النّهائي. قمنا كذلك بالتكلّم عن تجارب السي جي بعالم الأنمي بشكلٍ أوسع في هذا الفيديو:

السي جي في بيستارز

وصلنا أخيراً إلى الفيل في الغرفة. قرّر استديو أورانج اقتباس بيستارز مستفيداً من الأدوات الّتي طورها في السّنين الطويلة من عمله في مجال السي جي. على هذا الأساس قام فريق العمل بإعادة تخيّل المظهر العام للأنمي فالتصاميم أصبحت صلبة متماسكة أكثر من المانغا والخطوط الخشنة الكثيفة اختفت. لكن في المقابل حصل الأنمي على الكثير من الإضافات الممتازة. إذ يعود مخرج السي جي Eiji Inomoto للعمل على بيستارز برفقة المخرج العام Shinichi Matsumi الّذي أخرج سابقاً الحلقة الرّابعة من Land of the Lustrous.

لكنّ بيستارز مختلف بصرياً عن Land of the Lustrous بشكلٍ أساسيٍّ بنظري. قد يعود هذا إلى تغيير المخرج العام أو لا لكنّ بيستارز يأخذ مظهراً تجريبيّاً أكثر جرأة وتنوّع من سابقه. بينما تقوم مانغا بيستارز بتغيير أشكال الشخصيّات وقوّة التظليل والخشونة اعتماداً على المشهد يقوم الأنمي بتغيير الأسلوب البصري كاملاً في الكثير من المشاهد لنقل المشاعر فيها بأفضل شكلٍ ممكن (مع الاحتفاظ بمظهرٍ عامٍ لها). الأمر مشابه قليلاً لـ Mob Psycho 100 الّذي تكلّمت عنه بالتفصيل هنا حيث يعمد المشهد للتغيّر بشكل جذري بناءً على ما يحاول إيصاله.

النتيجة كانت مظهراً عامّاً حيوي جدّاً مع استخدام متنوّع للكثير من الألوان. قد لا تظهر الصّور الثّابتة من المشاهد بذات جودة عملهم السّابق في Land of the Lustrous والسّبب يعود إلى غياب التناسق الهائل بين فكرة العمل واستخدام السي جي لإظهارها (الجواهر والسي جي فكرة متناسقة وقابلة للعرض أكثر من الحيوانات). لكن بالمجمل أستطيع القول أنّ المظهر كان بشكلٍ عام أكثر من مرضي مع خلفيّاتٍ متناسقة تماماً مع مظهر الشخصيّات.

لكن هذا غير كافي ليجعل اقتباس بيستارز مبرّر بالمجمل. فالمظهر العام بالرغم من كونه لا يحتوي نشازاً ويمتلك تناسق قوي فمظهر المانغا يعطي انطباعاً أقوى بكثير. هنا تدخل نقاط القوّة الّتي أضافها فريق العمل للاقتباس ليعوّض عن المصدر ويعطي الاقتباس نكهته الخاصّة.

عنصر المسرح وقوّة الـ Character Acting

أحد عناصر القصّة الأساسيّة في بيستارز هي نادي المسرح المدرسي والسّعي للأداء المثالي لتصبح الـ “بيستار”، المثال الأعلى للمجتمع وخصوصاً طلّاب المدرسة. نقل روح النّادي هذا ليس بالسّهل عادةً لكن مع استخدام السي جي فالموضوع انقلب إلى أداوت مختلفة تماماً عن الرّسم التقليدي.

يوجد تركيز هائل في مشاهد بيستارز على حركة الشخصيّات وتعبيرهم عن نفسهم بلغة الجّسد (Character acting). منذ الحلقة الأولى تلاحظ تخصيص العديد من اللّقطات لحركة اليدين بذاتها:

كذلك العديد من المشاهد ذات الأثر الكوميدي الّتي تعبّر عن توتّر شخصيّة معيّنة من طريقة حركتها مثل مشهد ليغوسي عندما يخرج بسرعة من الغرفة بعد لقاء غريب مع هارو:

وحتّى تفاعل صديق ليغوسي معه ومضايقته قليلاً في مشهد متسارع مليء بالحيويّة وحركة اليدين التعبيريّة من كلا الطّرفين:

لكن بدون شك أكثر المشاهد الّتي استفادت من هذا النهج في الاقتباس هي مشاهد التّمثيل ذاتها. إذ كان المخرج ذكي جدّاً في استخدامه لتقنيّة الـ Motion capture (التقاط الحركة من الواقع ودمجها بالتصميم) مع مشاركة بعض الراقصين المحترفين الّذين قاموا بمشاهد رقص جونو على سبيل المثال وهو ما أضفى على الرّقصة ذاتها “شخصيّة” ونكهة خاصّة كونها من راقصة حقيقية متناسبة مع شخصيّة جونو وتزيد صناعة شخصيّتها في عقل المتابع:

هنا تظهر فوائد التّفكير خارج الصّندوق في صناعة الأنمي. معظم طرق استخدام السي جي في الصناعة حاليّاً تتم عن طريق التّفكير باسلوب الرّسم التّقليدي ذاته وهو ما يدفع هذا المجال إلى الوراء بنظري (على سبيل المثال الاصرار على رندرة المشاهد ضمن 24 فريم كي تظهر مثل الرّسم التقليدي، لكن النّتيجة تكون مشاهد متقطّعة غير متماسكة، مع أنّهم يستطيعون بسهولة رندرة المشاهد ضمن 60 فريم). استخدام استديو أورانج لهذه التقنيّات الحديثة الّتي قد يُنظر لها بدونيّة من صناعة الأنمي هو ما يجعلني أحترم عملهم وعمل مخرج السي جي ايجي بشكل خاص.

الـ Storyboarding والاستفادة من الكاميرا الديناميكيّة

تكلّمت سابقا عن عملية الستوربيوردينغ وصناعة المشاهد في الأنمي. ما يقوم به بيستارز هو استفادة كبيرة من نقاط قوّته الّتي ذكرتها سابقاً في عرض تفاعل الشخصيّات مع بعضها في الوقت ذاته. إذ يتم استخدام بعض التّقسيمات (PiP Paneling) لاستعراض ردود فعل شخصيّة وطريقة تفاعلها مع أفعال الشخصيّة الأخرى:

نقطة التّركيز على تفاعل الشخصيّات لا تتوقف هنا فهناك العديد من المشاهد الّتي تعطي كل شخصية في حشد معيّن ردّة فعل مختلفة خاصّة بها ما يجعل الحشد حقيقي وقابل للتّصديق بدل مجرّد نسخ من بعضها. لم يأخذ فريق العمل أي طرق مختصرة هنا:

لكن استخدام الكثير من تقسيمات الشاشة سيشعر المشاهد بالجمود المبالغ فيه في اسلوب العرض، فالبديل هنا كان توظيف الكاميرا الديناميكيّة. هذه أحد الفوائد الأساسيّة الّتي يوفّرها السي جي مقارنة بالرّسم التقليدي. لقطات الـ Perspective المعقّدة هي أصعب ما يجب على رسّامي الأنيميشن التّعامل معه لكنّ استخدام السّي جي يعني امكانيّة القيام بهذه اللّقطات بسهولة فائقة عن طريق العمليات الحاسوبيّة الّتي تعوّض عن محاولة الرسّام التقليدي تصويرها يدويّاً.

تمّ استخدام هذه اللّقطات بكثافة في المشاهد المسرحيّة أو تلك الّتي تتضمّن الكثير من الأكشن والمشاهد الحركيّة. لكنّ استخدامها لا يتوقّف على “تحريك الكاميرا بكثافة لتظهر بشكل كول” بل هناك فهم لانسياب المشهد من المخرج يساعد على جعل هذه اللّقطات ذات فائدة فعليّة. على سبيل المثال لقطة تدريب ليغوسي وبيل من الحلقة الثّالثة توظّف الكثير من الكاميرا الحركيّة في المشهد ويتم استخدامه لاظهار سيطرة بيل على الموقف واستياء ليغوسي في التغيير بين الوجهين. بالطّبع استخدامها لا يزال “كول” واستفادة من فرصة متوفّرة لكن مقارنة بما ستجده في أعمال ثانية فاستخدام الكاميرا الديناميكيّة هنا أكثر ذكاءً ومغزى وتناسق:

الاستفادة القصوى من ال Style Shifts

ذكرت سابقاً أنّ أنمي بيستارز بالمقارنة حتّى مع عمل الاستديو السّابق لا يزال مختلفاً في تركيزه البصري بحيث يقوم بتوظيف الكثير من الأنيميشن التّجريبي بناءً على المشهد وما يحاول إيصاله بدل الالتزام بالسي جي فقط. هذه النّقطة تظهر بالذّات في الجّرأة بتغيير أسلوب الرّسم (Style shift) في الكثير من الأحيان. يبدأ الأمر مع شارة البداية العظيمة واستخدام الـ Stop Motion.

فن الـ Stop Motion يقوم على صناعة دمى لشخصيّات معيّنة وتحريكها بشكلٍ صغير جداً بين فريمات يتم تصويرها. هذه الفريمات تمثّل في النّهاية حركة معيّنة تقوم بها الشخصيّة. لم يكن الـ Stop Motion ذو شهرة فائقة بقدر الأنيميشن بسبب كون النّتيجة الأخيرة متقطّعة وربما يصعب على المتابع الجديد التّعامل معها. فاستخدام الـ Stop Motion لشارة أنمي معيّنة حركة خطيرة جدّاً قد تبعد الكثيرين عنه، لكن النّتيجة الأخيرة في حالة بيستارز كانت مذهلة وحصلت على استقبال إيجابي جدّاً:

تعاون المخرج مع استديو Dwarf الياباني المتخصص في صناعة الـ Stop Motion وقاموا سويّة بإنتاج الشّارة. لم تكن الفكرة من العدم فالشارة تعكس صراع ليغوسي الدّاخلي بالكثير من التّشبيهات الّذكيّة الّتي لا يسعني ذكرها هنا للأسف. (قام العاملون على الشّارة بتصوير فيديو عن أفكارهم خلال صناعتها مع استعراض الدّمى، يمكنك مشاهدته هنا)

ننتقل فيما بعد إلى العمل ذاته، بينما يوظّف بيستارز السي جي بشكل أساسي فهو يستعين بالكثير من الرّسومات التقليديّة لتساعده في بعض الزّوايا الّتي قد تظهر بشكل نشاز بسبب زاوية معيّنة أو حتّى طرق ذكية لتوفير المال هنا وهناك بدون أي أثر على تجربة المتابع النّهائيّة. أوضح الأمثلة هنا هي اللّقطة المقرّبة على وجه لوي حيث لا يمكن رندرتها بشكل طبيعي بسبب الزّاوية القريبة الّتي يظهر بها إضافة إلى صعوبة تشويه وجه الشخصيات فتم استبدالها برسم تقليدي:

لم يتوقّف بيستارز عند استخدام أساليب التّحريك هذه فقط، بل توسّع ليضيف كذلك الـ Paper Cutout Animation الّذي يقوم على استخدام قصاصات ورقيّة معيّنة وتحريكها مع تصوير كل فريم كذلك. تم استخدام هذا النوّع من التّحريك في قصّة ماضي لويس مع الكثير من استخدام الظّلام للتّلاعب بالمكان نفسه بطرق مبتكرة. هذا ما اعطى المشهد شعور أنّه “قصة أطفال خياليّة” ذات طابع كابوسي مرعب وهو ما جعلها تنقل طريقة تفكير لويس في طفولته بأفضل شكل.

أخيراً نصل إلى لقطتي المفضّلة في العمل كاملا وأحد أفضل لقطات السّنة الماضية بالنّسبة لي وهي لقطة “أحلام هارو”. تمّ صناعة هذه اللّقطة بالتّلوين المائي من الأنيميتور Yoko Kuno مع الكثير والكثير من الأنيميشن المائي والتّلاعب بالأشكال الصّلبة والتّحوّلات بين الأجسام (Morphing). اللّقطة مذهلة بشكلٍ لا يوصف وتظهر بشكلٍ سرياليٍّ لتصوّر شعور هارو خلال ممارستها الجّنس وحقيقة كونها محبوسة بشكلٍ أو بآخر بطريقة تفكيرها وطبيعتها البيولوجيّة كمان ناقشت في المقال السّابق!

من الجّدير بالذّكر كذلك بعض استخدامات لقطات مبسّطة من المانغا لإظهار الأثر الكوميدي لبعض المشاهد. العمل يستطيع القيام بهذا بدون أن يشعر المتابع بالغرابة لأنّه حدد هويته البصريّة من الحلقة الأولى وهي أنّه سيستمر بالتّجريب في كل أنواع الميديا المختلفة ليقوم بنقل شعور المشهد بأفضل شكلٍ ممكن (مع التزامه بالشّكل العام المتكوّن من السي جي)

هنا نصل إلى نهاية المقال. بيستارز كان حقّاً تجربة مذهلة تستحق المتابعة وأتمنّى أنّي استطعت هنا نقل القليل من تعب العاملين عليه وحرفيّتهم المذهلة في التّفكير خارج الصّندوق. إن لم تقرأ مقالي السّابق عن بيستارز من جانب قصصي فيمكنك قراءته من هنا. أكتب رأيك بالمقال والعمل في التّعليقات وشكراً لمرورك.

Default image
Maher Rayes
تم توليد هذا النص تلقائياً لأن الكاتب أكسل من أن يكتب وصفاً مختصراً لصفحته الشخصية

One comment

  1. […] أهميّة ممتع للمشاهدة هو Beastars. كما ذكرت في مقالي عن إنتاج بيستارز يوجد تركيز كبير من فريق العمل على نقل لغة الجسد بشكلٍ […]

Leave a Reply

One comment

  1. […] أهميّة ممتع للمشاهدة هو Beastars. كما ذكرت في مقالي عن إنتاج بيستارز يوجد تركيز كبير من فريق العمل على نقل لغة الجسد بشكلٍ […]

Leave a Reply