الأطفال التائهون في بيرزيرك: قراءة ثانية

من النادر ومن المفهوم كذلك ألا يرد ذكر اسم أرك الأطفال التائهون عند الحديث عن الأركات المفضلة لدى قراء ومحبي مانغا بيرزرك، خصوصاً أن الأسماء الأكثر تداولاً عادة هي أركات ممتازة قصصياً وبصرياً كما هو حال المانغا ككل وفي مقدمتها أرك العصر الذهبي، وأرك العقاب، وأرك السياف الأسود، الأركات الثلاث التي تُعتبر برأي الكثيرين من أفضل أركات القصة بلا منازع.

شخصياً دائماً ما وجدت هذه الخيارات منطقية ومفهومة وواضحة جداً، وبالتأكيد فإن وجود أرك مثل أرك العصر الذهبي في المقدمة لدى الكثيرين وأنا منهم أمر مفهوم وواضح، لكن ما أستغربه دائماً هو التجاهل المتعمد أو غير المقصود لجزء “الأطفال التائهون” من مانغا بيرزرك، تجاهل دفعني لاستغلال الوقت الثمين الذي وفره لنا وباء كوفيد-19 والاستمتاع بقراءة ثانية لأرك الأطفال التائهون في بيرزيرك، قراءة ممتعة كانت نتيجتها هذا المقال.

بداية فإن أرك الأطفال التائهون ليس “أرك” بالمعنى التقني للمصطلح، فهو في تصنيف أركات وأجزاء مانغا بيرزيرك يدخل كأحد أجزاء أرك العقاب، لكن يتفق الكثيرون من محبي المانغا على تصنيفه كأرك منفصل لعدة عوامل قصصية تدفع بالبعض كذلك لتصنيفه على أنه فيلر ما بين أرك العصر الذهبي وأرك العقاب. (فيلر في مانغا؟! نعم يحق لميورا ما لا يحق لغيره).

فيلر؟ غاتس كما نعرفه اليوم

الانطباع السائد حول الأطفال التائهون في بيرزرك ينطلق من نقطة واضحة وفيها شيء من الصحة، وهي أن الأرك في واقع الأمر لا يقدم سيراً واضحاً في حبكة القصة، فهو لا يدفعها للأمام بأي شكل ولا يخلق تحولاً في حبكتها يمكن أن يقود لتغييرات معينة في سير الأحداث التي تليها.

نعم، من الصحيح أن أرك الأطفال التائهون لا يعمل على دفع القصة نحو الأمام بشكل واضح، ومن الممكن فعلاً تخيل قصة بيرزيرك بشكل ما دون وجود هذا الأرك، كل تلك حجج تحمل شيئاً من المنطق، لكن هل فعلاً كان من الممكن الانتقال من أرك العصر الذهبي إلى ما بعده دون المرور بأحداث هذا الأرك؟

بداية فإن شخصية غاتس كما تظهر في الأرك الأول من المانغا وهو أرك السياف الأسود هي شخصية عنيفة غاضبة ومليئة برغبة الانتقام والقتل، شخصية فردية لا تعول على مساعدة الآخرين ولا تكترث بمصيرهم، في حين يبدو غاتس بعيداً كل البعد عن شخصية البطل الذي يمكن أن يروق للقارئ ويقترب أكثر من نمط “Anti-Hero”، شخصية تتكشف ملامحها والخلفيات التي قادتها إلى هذه الطبيعة من خلال أرك العصر الذهبي.

في العصر الذهبي نجد شخصية معاكسة تماماً لغاتس الذي نعرفه في أرك السياف الأسود، حيث نجد غاتس المقاتل الذي يثق برفاقه في المعركة وأصدقائه المقربين في فرقة الصقر، نجد غاتس الذي يُحب ويعيش كإنسان رغم كل الظروف الوحشية التي تفرضها عليه طبيعة حياته كمقاتل في جيش من المرتزقة.

النهاية المأساوية لأرك العصر الذهبي، وبداية أرك العقاب من خلال أجزاء الأطفال التائهون كانت هي النقلة النوعية في شخصية غاتس كما نعرفها اليوم في المانغا، وسيكون لتغيير شخصية غاتس في أرك الأطفال التائهون أثر على شخصيته حتى نهاية المانغا. (هذا في حال قرر ميورا أن يكمل كتابتها ورسمها قبل أن نموت جميعاً).

أرك الأطفال التائهون يقدم غاتس الذي خرج من العصر الذهبي ميتاً، فاقداً لأي حس إنساني، متحولاً تدريجياً إلى وحش قاتل، لا يجد أي معنى لحياته سوى في التلويح بسيفه وقتل كل من يقف في طريقه.

بيرزيرك

هذه الصورة المتوحشة تظهر بشكل فني فريد في هذا الأرك، ويبدع كينتارو ميورا في رسمها وتجسيدها، ولعل معارك غاتس مع ملكة الجن والمشاهد الفنية المروعة التي تقدمها المانغا في هذا المجال هي من أجمل ما قرأته في مانغا بيرزيرك.

هذه الوحشية التي يظهرها غاتس ليست سوى آلية دفاعية يمارسها كإنسان لنسيان الألم الذي مر به، محاولة لتجاهل الخيانة الكبرى التي تعرض لها من أعز أصدقائه، محاولة لحماية نفسه من تكرار التجربة التي لم يكن ليخوضها لو استمر بالعيش كوحش دون أن يصبح إنساناً.

لكن هذا الدرع تشقق منذ اللحظات الأولى التي قابل فيها غاتس الطفلة جيل، الطفلة التي تذكره بنفسه كثيراً، عمل مميز يقدمه أرك الأطفال التائهون سواء عبر الحوارات التي تدور بينهما أو المشاهد التي تصور اللحظات المشتركة، لتوضيح قدرة البراءة الطفولية التي تسم وجود جيل للتأثير على غاتس.

بيرزيرك

في الحين الذي يظهر فيه غاتس كوحش في الكثير من لحظات الأرك، فإنه يصل مع نهاية الأرك إلى شخصية مختلفة تماماً، شخصية أقل وحشية، مستعداً للتعامل مع غيره من البشر، ومع نهاية أرك العقاب وتشكيل فرقته الجديدة فإننا نجد غاتس بدأ يعود أقرب إلى شخصيته في أرك العصر الذهبي، الشخصية التي تكترث للمقربين منها، تثق بهم وتحميهم، وهذا التغيير ليس سوى نتيجة لكل الأحداث التي توالت في أرك الأطفال التائهون.

نتغنى جميعاً بهذه الصورة لغاتس وهو يجلس وحيداً هادئاً يتأمل الأفق، ويمكن ملاحظة الجانب الإنساني الذي يطغى على هذه الصورة وعلى شخصية غاتس الجديدة بعد تشكيل فرقته الصغيرة في أرك العقاب، لكن كل هذا التغيير لم يكن ليحصل لولا كل ما جرى في أرك الأطفال التائهون.

بيرزيرك

ربما لم يسهم أرك الأطفال التائهون بشكل كبير في دفع أحداث القصة نحو الأمام او خلق أحداث كبرى فيها، لكنه بلا شك قدم عملاً متميزاً وكتابة رائعة في الشخصية الرئيسية للقصة، وببساطة لولا الأطفال التائهون، لما كنا رأينا شخصية غاتس التالية لأرك العقاب كما نعرفها اليوم.

غاتس وجيل: النظر في المرآة

في العديد من المناسبات خلال أرك الأطفال التائهون فإن غاتس يتردد في القتل أو التلويح بسيفه على عكس عادته كلما كانت جيل الفتاة الصغير ضمن الموقف، ورغم أنه يعرض حياتها للخطر في عدة مواقف إلا أن الأرك يوضح بشكل لا لبس فيه إحساس الشفقة الذي يشعر به غاتس تجاه الفتاة الصغيرة.

بطبيعة الحال فإن التفسير الأسرع لهذا الشعور يعود لحياة الفتاة الصغيرة نفسها، فهي تعيش في قرية فقيرة تتعرض لهجوم أطفال الجن الذين يلتهمون كل شيء، كما أنها تعيش في منزل مفكك مع أب سكير وأم مستضعفة، لتجد نفسها فوق كل ذلك تجري بيأس وراء سياف دموي يقاتل كل ما يقف في وجهه.

لكن القليل من التفكير في جيل وغاتس يوقظ فكرة مختلفة تماماً، وهي أن شفقة غاتس نحو جيل ليست سوى شفقة نابعة من شفقته على نفسه، وعلى طفولته المؤلمة التي تشبه طفولتها لحد كبير، وغاتس حين يشفق على جيل فهو ينظر في مرآة حياته ويرى غاتس الصغير منذ اللحظة التي ولد فيها تحت جثة والدته.

كما هو الحال مع غاتس الذي تربى على يد غامبينو، رجل الحرب السكير العنيف، فإن جيل تعيش مع والد سكير فاشل، لا يملك شيئاً سوى التغني ببطولات وهمية في مخيلته، ولا يتراجع للحظة عن ضرب ابنته الصغيرة وتعنيفها وإهانتها، كما هو الحال مع غاتس حينما كان طفلاً.

الكثير من التلميحات في أرك الأطفال التائهون توضح أن جيل كانت تتعرض لاستغلال جنسي من العديد من رجال القرية بعلم والدها، خيانة مرعبة لطفلة في هذا العمر، لا شبيه لها في القصة سوى خيانة غامبينو لغاتس عندما كان طفلاً، ببيعه لدونوفان مقابل حفنة من النقود. كل الألم الذي عاشه غاتس تعيشه جيل بشكل أو بآخر.

لكل من غاتس وجيل صديق مقرب أحباه بصدق، صديق غريب الأطوار يكن لهما انجذاباً غريباً من نوعه ولا تعرف طبيعته، ونعم هنا أقصد غريفيث وروشينو ملكة الجن، غاتس وجيل كانا ينظران في مرحلة من حياتهما لهذا الصديق نظرة إعجاب وتقدير، ويبدو ذلك واضحاً في كلام جيل عن روشينو، فيما يعرف الجميع علاقة غاتس وغريفيث في الأرك العظيم أرك العصر الذهبي.

وكما تشاء أحداث القصة فإن كلا الصديقين سيتعرضان للخداع من أقرب الناس لهما، غريفيث سيضحي بصديقه الأقرب غاتس وكل رفاق السلاح، فيما تتعرض جيل لكذبة كبرى من صديقة طفولتها حول اطفال الجن والوادي، وكلا القصتين تنتهيان بمشهد دموي صادم يترك كلاً من غاتس وجيل أمام واقع سيغيرهما جذرياً.

في واحد من أجمل مشاهد الأرك يقدم غاتس لجيل عالمه المظلم الذي يعيش فيه، ويوضح للطفلة أن لا مكان لها في مثل هذا العالم، ليس من منطلق الشفقة عليها فقط، بل من منطلق الشفقة على نفسه من المعركة اليائسة التي يعيشها في كل يوم وكل لحظة، ربما واحد من أجمل مشاهد المانغا ككل.

في نهاية الأرك فإن كلاً من غاتس وجيل يخرجان بقناعة واحدة، لا خيار سوى الاستمرار في الحياة، مشهد بزوغ الضوء بعد انتهاء المعركة وابتسامة جيل الصغيرة يرمز للتصالح مع النفس رغم كل شيء، تتصالح جيل مع البؤس والشر في هذا العالم ومع ضرورة الاستمرار بالعيش رغم كل شيء، ويتصالح غاتس مع واقعه المشؤوم ليدخل معركة جديدة بشخصية جديدة ستقوده فيما بعد لتشكيل فريق جديد من البشر دون القتال وحده كوحش جريح.

الأطفال التائهون

الأطفال الصغار الذين يتخاطفهم صغار الجن من منازل القرية، هؤلاء المساكين الذين يموتون لتعود جثثهم فيما بعد للحياة على هيئة أطفال الجن، كائنات متوحشة قاتلة وبريئة، لا تعلم شيئاً عن ماضيها وعن سبب وجودها، تائهة بكل ما للكلمة من معنى، أطفال تائهون، نعم، لكنهم في واقع الأمر ليسوا سبب تسمية الأرك بهذا الاسم!

روشينو ملكة الجن، الكائن المتوحش الذي لم يخرج من المشهد سوى بمعركة دموية، لم تكن في ماضيها سوى طفلة صغيرة كما هو حال جيل تماماً، طفلة تحلم بمنزل دافئ وعائلة محبة وعشاء بسيط مليء بحوارات الأسرة العادية، آمال بسيطة لم تنل منها شيئاً بل عانت كما الكثير من اطفال قريتها من الفقر والعنف والبؤس.

الخوف والضياع قاد تلك الطفلة إلى وادي الجن، ومن ثم حولها إلى وحش يقود أسراب الجن الصغار للقتل والتدمير، لكن هذا الوحش سرعان ما عاد لطبيعته المرحة حينما صادفت صديقة الطفولة البريئة، جيل.

نهاية شخصية روشينو جاءت بمعركة دموية محزنة مع غاتس، الذي بدوره عاش طفولة بائسة مشؤومة، وبينهما تتوه عواطف جيل، الفتاة البائسة التي تشفق على صديقتها رغم علمها بكل ما قامت من القتل والتنكيل.

أرك الأطفال التائهون ينتهي بمشهد في قمة الحزن، حيث تحلق روشينو بعد جروحها البليغة في معركتها مع غاتس، تفكر وتحلم بمنزل العائلة الذي لطالما تخيلته في صغرها، ثم تسقط ميتة، الحقيقة التي تظهر قبل الموت بلحظات، هي لم تكن سوى طفلة ضاعت ما بين الخوف والوهم والأمل، لتتحول إلى وحش تائه يقتل بدون أي سبب لوجوده.

يختتم الأرك نفسه بعد موت روشينو المحزن بوقوع غاتس في أسر جيش الكنيسة، وعودة جيل إلى حياتها البائسة بقلب مفعم بالأمل رغم المستقبل المجهول الذي ينتظرها، تنهي الأحداث نفسها برسالة واضحة من المبدع كينتارو ميورا: “الأطفال التائهون في بيرزرك هم غاتس وجيل وروشينو”.

اقرأ أيضاً: كيف نالت مانغا بيرزيرك أفضل اقتباس لها

Default image
ًWael Qarssifi

Leave a Reply

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.